Document - Algeria: Briefing to the Committee Against Torture
قائمة المحتويات
تقرير موجز إلى لجنة مناهضة التعذيب
مقدمة
تقدم منظمة العفو الدولية هذا التقرير الموجز لدراسته من جانب لجنة مناهضة التعذيب على اعتبار أنها ستنظر قريباً في التقرير الدوري الثالث للجزائر حول الإجراءات المتخذة لتنفيذ نصوص اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (’الاتفاقية‘). ويلخص هذا التقرير بعضاً من بواعث القلقالرئيسية لمنظمة العفو الدولية المتعلقة بالجزائر، كما هي موثقة في عدد من التقارير السابقة للمنظمة.1وتتعلق بواعث القلق هذه بشكل عام بنمط متواصل من الاعتقال السري والتعذيب على يد دائرة الاستعلام والأمن، وهي جهاز مخابرات متخصص في استجواب الأشخاص الذين يُعتقد أن لديهم معلومات حول أنشطة إرهابية؛ وبتقاعس الدولة الطرف عن توفير سبيل انتصاف فعال لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، ومن ضمنها التعذيب وسوء المعاملة؛ وباستمرار العنف ضد المرأة.
يُمارس التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد المعتقلين المشتبه في قيامهم بأنشطة إرهابية في الجزائر في أعقاب ما يزيد على 10سنوات من العنف الذي أشعل فتيله إلغاء الانتخابات متعددة الأحزاب التي جرت في العام 1992 والتي كان من المتوقع على نطاق واسع أن تفوز بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي حزب سياسي إسلامي. وخلال النزاع الداخلي، تلاشت ضمانات حماية حقوق الإنسان بشكل خطير. وترسخت انتهاكات حقوق الإنسان باسم محاربة الإرهاب عندما حاربت قوات الأمن بلا هوادة الجماعات المسلحة التي كانت ترتكب انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق ضد المدنيين، بما فيها عمليات القتل غير القانونية والخطف والتعذيب والاغتصاب. وارتكبت قوات الأمن الرسمية، وفيما بعد الميليشيات التي سلحتها الدولة ( التي تشير إليها السلطات بعبارة "جماعات الدفاع الشرعي" أو "جماعات الدفاع عن النفس" أو "الوطنيين")، انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان، من ضمنها عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء وغيرها من عمليات القتل غير القانونية، والاختفاء القسري، والاعتقالات السرية والتعسفية والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد الآلاف من الأعضاء والأنصار الحقيقيين أو المشتبه بهم للجماعات المسلحة. ولعبت دائرة الاستعلام والأمن، الجهاز الأكثر ارتباطاً بالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، دوراً أساسياً في تصعيد انتهاكات حقوق الإنسان هذه خلال التسعينيات.
وبرغم تراجع حدة العنف وانتهاكات حقوق الإنسان الصارخة المرتبطة بالنزاع الداخلي في السنوات الأخيرة، تظل منظمة العفو الدولية تتلقى أنباء بصورة منتظمة حول اعتقال المشتبه بهم بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن اعتقال غير رسمية، وحول ممارسة التعذيب من جانب دائرة الاستعلام والأمن، في إطار عمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الحكومة. وعلاوة على ذلك، فإنه برغم الترحيب بالمبادرة التي اتخذتها الحكومة في العام 2004لوضع نصوص في القانون الوطني لتجريم التعذيب، إلا أنه يمكن الملاحظة بأن هذه النصوص الجديدة أخفقت في وضع حد لاستخدام التعذيب من جانب دائرة الاستعلام والأمن.
ولم تُجر تحقيقات في الأغلبية الساحقة من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة وقوات الأمن الرسمية على السواء، ومن ضمنها التعذيب وسوء المعاملة، في غمار النزاع الداخلي. وقد ترسخ الإفلات من العقاب على الانتهاكات الماضية بدرجة أكبر من خلال قوانين العفو التي أصدرتها الحكومة في العام 2006معلنةً أن الهدف منها طي صفحة سنوات العنف. ونصت هذه القوانين على إعفاء المدانين أو المعتقلين بتهم القيام بأنشطة إرهابية من المقاضاة أو الإفراج عنهم بموجب عفو، ومنحت حصانة شاملة لأفراد قوات الأمن المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
وتأثرت النساء بشكل خاص بالعنف منذ بداية النزاع الداخلي. وكنّ هدفاً للخطف والاغتصاب وغيرهما من أشكال العنف الجنسي على أيدي الجماعات المسلحة، وتعرضن للمعانة بصورة غير متناسبة بسبب شعورهن بالألم لعدم معرفة الحقيقة حول مصير الآلاف من الرجال الذين اختفوا قسراً خلال النزاع. وعلاوة على ذلك، يتفشى العنف ضد المرأة في الأسرة. وتقر السلطات الجزائرية بذلك من حيث المبدأ، لكنها تقاعست حتى الآن عن اتخاذ تدابير كافية وفعالة لحماية النساء من هذا العنف. ولم تنفذ السلطات الجزائرية بعد العديد من التوصيات التي قدمتها إليها لجنة مناهضة التعذيب وغيرها من هيئات حقوق الإنسان.
أنماط التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في الجزائر
ارتكبت قوات الأمن الجزائرية خلال التسعينيات انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان، من ضمنها الاعتقالات السرية والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة (يشار إليها فيما بعد: بسوء المعاملة) وحوادث الاختفاء القسري وذلك باسم مكافحة الإرهاب. وبرغم أن مستوى الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في الجزائر قد انخفض اليوم قياساً بالتسعينيات، إلا أن ممارسة التعذيب وسوء المعاملة مستمرة في سياق مكافحة الإرهاب. وقد تراجع عدد أنباء ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد الأشخاص المحتجزين لدى الشرطة والدرك، لكن استخدام التعذيب وسوء المعاملة يستمر بصورة منظمة على يد دائرة الاستعلام والأمن التي تُعرف على نطاق واسع باسم "الأمن العسكري".
ويقل عدد أنباء التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة اليوم عما كان عليه خلال ذروة أعمال العنف في التسعينيات. بيد أن المشتبه بهم الذين تعتقلهم دائرة الاستعلام والأمن يظلون يحتجزون بصورة منتظمة رهن الاعتقال السري ويُحرمون من الاتصال بالعالم الخارجي، غالباً لفترات مطولة، في أوضاع تًسهل ممارسة التعذيب ويمكن أن تشكل ضرباً من سوء المعاملة.
حالات الاختفاء القسري في التسعينيات
تشير الشهادات التي أدلى بها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم ونشطاء حقوق الإنسان إلى أن أفراد دائرة الاستعلام والأمن كانوا مسؤولين عن ممارسة التعذيب المنهجي وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء ضد المتعاطفين المزعومين مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ خلال التسعينيات. ويُعتقد أن أفراد الأمن الذين أجروا عادة عمليات الاعتقال كانوا أعضاءً في دائرة الاستعلام والأمن يعملون بملابس مدنية. وقد تلقت منظمة العفو الدولية أنباءً عديدة حول تعرض أشخاص للاعتقال على يد قوات الأمن الجزائرية في التسعينيات ثم "اختفائهم" أثناء احتجازهم في مراكز اعتقال سرية تديرها دائرة الاستعلام والأمن، ولم يتم بعد توضيح مصيرهم ومكان وجودهم.
قضية صلاح ساكر
يشكل استمرار استخدام أماكن اعتقال سرية مصدر قلق خاص في بلد مثل الجزائر "اختفى" فيه آلاف الأشخاص، ويظلون في عداد المفقودين حتى يومنا هذا، بعد أن احتُجزوا في مراكز اعتقال سرية خلال التسعينيات. وفي إحدى هذه الحالات، وهي حالة صلاح ساكر، وهو مدرس وعضو سابق في الجبهة الإسلامية للإنقاذ من قسنطينة بشرق الجزائر، صرَّحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في إبريل/نيسان 2006 أن الجزائر انتهكت عدة نصوص في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عبر تقاعسها عن المحافظة على حياته، وضمان عدم تعرضه للتوقيف التعسفي أو للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، وعبر حرمانه من اللجوء إلى المحكمة.2
"اختفى" صلاح ساكر في مايو/أيار 1994 بعدما ألقت الشرطة القبض عليه في منزله. ورداً على شكوى تقدمت بها زوجته لدى النيابة، أُبلغت في العام 1997 أنه بعد حوالي شهر من إلقاء القبض عليه، نُقل صلاح ساكر من حجز الشرطة إلى المركز الإقليمي للأبحاث والتحريات في قسنطينة الذي استُخدم قسم منه كمركز اعتقال سري من جانب دائرة الاستعلام والأمن. ويظل مصيره ومكان وجوده في طي المجهول.
أساليب التعذيب وغرضه في حجز دائرة الاستعلام والأمن
تشمل أكثر أنباء التعذيب تكراراً التي تتلقاها منظمة العفو الدولية عمليات الضرب والصعق بالصدمات الكهربائية وطريقة الشيفون التي تتضمن تقييد المعتقل وإرغامه على ابتلاع كميات كبيرة من الماء القذر أو البول أو المواد الكيماوية عبر قطعة قماش توضع على الفم. كذلك ذكر المعتقلون أنهم كانوا يُجردون من ملابسهم ويتعرضون للإذلال والضرب على باطن أقدامهم (طريقة تُعرف بالفلقة)، ويُعلقون بأذرعهم من السقف لفترات طويلة خلال الاستجواب. وفي بعض الحالات، يزعم المعتقلون أنهم كانوا يُهددون بتوقيف الأفراد الإناث في العائلة واغتصابهن؛ وفي حالات أخرى، يُزعم أن المعتقلين الذكور تعرضوا لانتهاكات جنسية، برغم توفر القليل فقط من التفاصيل بسبب الحساسية الثقافية المحيطة بقضية العنف الجنسي ضد الرجال في الجزائر.
وقد ذكر معظم المعتقلين أنهم تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة من أجل إرغامهم على الإدلاء بمعلومات حول أنشطة الجماعات المسلحة في الجزائر، أو حول الإرهاب الدولي. وورد أنه طُلب من بعض المعتقلين تحت وطأة التعذيب أو غيره من أشكال الإكراه إفشاء أسماء أشخاص آخرين لديهم صلة بالإرهاب، ما أدى إلى حدوث مزيد من الاعتقالات. ثم يُرغم المعتقلون عادة على التوقيع على محضر استجواب قد لا يُسمح لهم بقراءته. ويتضمن العديد من هذه المحاضر "اعترافات" المعتقلين بعلاقتهم مع الجماعات المسلحة أو الإرهاب الدولي. وتضمنت بعض محاضر الاستجواب إفادات تشير إلى أن المعتقلين يعتبرون أنهم تلقوا معاملة حسنة في الاعتقال.
الأنباء الأخرى للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة
تشير معظم مزاعم التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة التي تلقتها منظمة العفو الدولية إلى المعتقلين المحتجزين في أماكن اعتقال سرية على يد دائرة الاستعلام والأمن. بيد أن المنظمة تلقت أيضاً أنباء حول ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة على أيدي قوات الأمن الأخرى أو في مراكز اعتقال رسمية.
ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في سجن الحراش
في 19فبراير/شباط 2008، ورد أن ما لا يقل عن 30معتقلاً في سجن الحراش في الجزائر العاصمة تعرضوا للضرب المبرح على أيدي حراس السجن بعدما رفضوا هم ونزلاء آخرون العودة من باحة السجن إلى جناح السجن الذي كانوا محتجزين فيه وذلك احتجاجاً على تحويل مكان أداء صلاتهم إلى سكن لمزيد من السجناء. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها منظمة العفو الدولية، أُخذوا بصورة فردية أو في مجموعات تضم كل منها شخصين أو ثلاثة إلى قاعة جرى فيها تجريدهم من ملابسهم وركلهم وصفعهم وضربهم بقضبان حديدية، وتوجيه إهانات إليهم وتهديدهم بالأذى الجنسي. وأُصيب أحد النزلاء بكسر في ساقه، وأُصيب آخر بكسر في فكه، وثالث بجرح في أنفه. ثم وُضع المعتقلون كما ورد في الحبس الانفرادي عقاباً لهم، وحُرموا من الزيارات لمدة ثلاثة أيام، ومن الرعاية الطبية. ولا يُعرف بأنه تم إجراء أي تحقيق في هذه الاعتداءات المزعومة برغم الشكاوى التي تقدم بها محامو السجناء الذين تمكنوا من زيارتهم بعد ثلاثة أيام.
وكان جميع المعتقلين الذين لهم علاقة بهذه الحادثة محتجزين في الحراش بانتظار محاكمتهم بتهم تتعلق بالإرهاب في وقت حصول الاعتداءات المزعومة. وقد مثل أحدهم أمام محكمة بومرداس الجنائية بعد بضعة أيام، وورد أنه نزع قميصه ليُري المحكمة الكدمات التي تسببت بها عمليات الضرب التي حدثت في 19فبراير/شباط واشتكى من إساءة معاملته في السجن. عندها أرجأت المحكمة محاكمته، لكنها لم تصدر أمراً بإجراء تحقيق في الاعتداء المزعوم.
وفي 28فبراير/شباط، ورد أن حوالي 64معتقلاً نُقلوا في 23 فبراير/شباط من سجن الحراش إلى سجون أخرى: سجن البويرة، وسجن البرواقية في ولاية المدية، وسجنا قالمة والأغواط.
ممارسة التعذيب في إطار المظاهرات
لا يقتصر التعذيب على الحالات المرتبطة "بأفعال الإرهاب أو التخريب". فقوات الأمن تظل مسؤولة أيضاً عن ممارسة التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة ضد كل من النشطاء السياسيين الذين يُلقى القبض عليهم خلال أو بعد المظاهرات التي تجري احتجاجاً على سياسات الحكومة وممارساتها، وضد المتهمين بارتكاب جرائم عادية، وإن يكن بدرجة أقل بكثير من ما كان يحصل خلال منتصف الثمانينيات وأواخر التسعينيات. فعلى سبيل المثال، تعرض المتظاهرون الذين اعتُقلوا في العام 2001في أعقاب المظاهرات المناوئة للحكومة التي جرت في منطقة القبائل الواقعة في شمال شرق البلاد عقب مقتل الطالب الثانوي ماسنيسا قرماح برصاص الدرك في الحجز في بني دوالة3للتعذيب بعد إلقاء القبض عليهم. وأُردي العشرات من المتظاهرين الآخرين بالرصاص أو أُصيبوا بجروح من جانب قوات الأمن.
قضية نشطاء القبائل في العام 2001
في 8 يوليو/تموز 2001، قُبض على يوسف، وهو شاب عمره 19 عاماً يعيش في بلدة ماكودة في منطقة القبائل الواقعة في شمال شرق البلاد التي تقطنها أغلبية أمازيغية (بربرية) بينما كان يشارك في مظاهرة جرت في بلدته ضد مقتل العشرات من المحتجين العزل على يد قوات أمن الدولة في المنطقة خلال الأشهر الثلاثة السابقة. واعتقله في الشارع ثلاثة من أفراد الدرك ورد أنهم ركلوه على بطنه ووجهه وضربوه بهراوة على رأسه وأعضائه التناسلية، وشرطه دركي بسكين مسبباً له جرحاً في وجهه.
كما ورد أن العشرات من الأشخاص الآخرين الذين قُبض عليهم خلال المظاهرات التي جرت في منطقة القبائل في إبريل/نيسان 2001 أو بعدها تعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة؛ العديد منهم بواسطة الضرب أو الجرح بأدوات حادة في الشوارع أو أثناء اعتقالهم بموجب فترة التوقيف للنظر البالغة 48 ساعة بواسطة اللكم على الوجه أو الجلد بكبلات كهربائية أو تعريضهم للتعذيب بطرقة الشيفون أو تجريدهم من ملابسهم وتهديدهم بالاغتصاب.
وأبلغ المحامون الذين يمثلون الأشخاص المعنيين منظمة العفو الدولية أنهم غالباً ما وجدوا ممانعة في تقديم شكاوى بسبب خوفهم من أن يُعرضهم ذلك هم وعائلاتهم لمزيد من المصاعب أو الأخطار.
الضمانات ضد ممارسة التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة في حجز قوات الأمن
لا ينص القانون الجزائري على ضمانات كافية لحماية المعتقلين من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وعلاوة على ذلك، يتم عملياً تجاهل الضمانات المحددة في القانون عند توقيف الأشخاص واعتقالهم للاشتباه بأن لهم صلة بالإرهاب. ويُحتجز هؤلاء المعتقلون بصورة روتينية من جانب دائرة الاستعلام والأمن بمعزل عن العالم الخارجي وفي أماكن اعتقال سرية. وخلال هذا الوقت، يُحرمون من الاتصال بعائلاتهم وبمستشار قانوني ومن الحصول على الرعاية الطبية، حتى عندما يتم تجاوز مدة التوقيف للنظر المسموح بها بموجب القانون – حد أقصى قدره 12يوماً – بشكل ملموس طوال أسابيع أو حتى أشهر، في انتهاك للقانون. ولا يمنح القانون الجزائري المعتقلين حق مقابلة مستشار قانوني خلال فترة التوقيف للنظر.
حق المعتقلين قيد التوقيف للنظر في الاتصال بالعالم الخارجي
في تعليقها العام رقم 2حول تنفيذ المادة 2من جانب الدول الأطراف،4شددت اللجنة على أن بعض الضمانات تنطبق على جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بوصفها تدابير فعالة لمنع ممارسة التعذيب كما تقتضي المادة 2من الاتفاقية. ومن جملة الضمانات التي سلطت اللجنة الضوء عليها الاحتفاظ بسجل رسمي بأسماء المعتقلين، وحق المعتقلين في إبلاغهم بحقوقهم، والحق في الحصول دون إبطاء على مساعدة قانونية مستقلة، ومساعدة طبية مستقلة، والاتصال بالأقرباء.5
وبموجب القانون الجزائري، يجوز اعتقال الأشخاص المحتجزين بتهمة القيام بأنشطة إرهابية بدون الاستعانة بمستشار قانوني مدة تصل إلى 12يوماً، إلى أن يُجلبون للمثول أمام عضو النيابة وفيما بعد أمام قاضٍ. وأَدخلت التغييرات التي أُجريت على قانون الإجراءات الجزائية في العام 2004حق المتهمين في الحصول على مساعدة محامٍ عندما يُجلبون للمثول أمام النيابة، لكن فقط في الحالات التي يُضبط فيها الشخص بالجرم المشهود والتي لا تقتضي بالتالي جمع مزيد من الأدلة (تلبس بالجرم).6بيد أن الأغلبية العظمى من القضايا المتعلقة بالإرهاب تحتاج إلى جمع مزيد من الأدلة ولا تندرج ضمن هذه الفئة.
حق الاتصال بالأقرباء
تكفل المادة 51مكرر من قانون الإجراءات الجزائية حق المعتقلين في الاتصال بعائلاتهم وتلقي زيارات منهم. بيد أنه على حد علم منظمة العفو الدولية ليست هناك أية حالة سمحت فيها دائرة الاستعلام والأمن للشخص المعتقل بتلقي زيارة من عائلته في مكان الاعتقال السابق للمحاكمة. وبصورة روتينية يُحرم أولئك الذين تعتقلهم دائرة الاستعلام والأمن من الاتصال بالعالم الخارجي، سواء في صيغة مستشار قانوني ومساعدة طبية وزيارات عائلية أو من جانب السلطات القضائية، ويُحتجزون فعلياً بمعزل عن العالم الخارجي.
ولا يبدو أن القانون أو السياسة الجزائرية تحدد أي إطار زمني أقصى يجب ضمنه إبلاغ الأقرباء في جميع الظروف بحقيقة الاعتقال. ولا يتماشى هذا مع توصية المقرر الخاص للأمم المعني بالتعذيب القاضية بأن يحاط الأقرباء علماً في الظروف كافة خلال 18ساعة.7وعند احتجازهم، لا يُحاط المعتقلون علماً بحقهم في الاتصال الفوري بعائلاتهم. وعموماً لا يتم إبلاغ عائلات الذين يُلقى القبض عليهم بمكان اعتقال أقربائهم، ولا يُسمح لهم بأية وسيلة للاتصال بهم، ناهيك عن زيارتهم. وعلى العموم يقال للأقرباء الذين يستفسرون لدى الشرطة أو الدرك أو النائب العام إن الشخص غير معتقل، أو أن مكان الاعتقال غير معروف. وأحياناً يُبلَّغون بصورة غير رسمية من جانب أفراد الشرطة القضائية أن قريبهم محتجز لدى دائرة الاستعلام والأمن، لكن ليس بمكان اعتقاله. ولا يوجد سجل علني بأسماء الذين تقبض عليهم دائرة الاستعلام والأمن أو تعتقلهم. وعملياً فإن المعتقلين لدى دائرة الاستعلام والأمن
يُحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي، ولا يحاط أقرباؤهم علماً بمكان الاعتقال أو بتاريخ نقلهم من مكان اعتقال إلى آخر. ويسبب هذا الأمر على نحو مفهوم قلقاً شديداً للعديد من أقربائهم.
قضية كمال عكاش
في 11سبتمبر/أيلول 2007، خطف حوالي ثمانية رجال يرتدون ملابس مدنية كمال عكاش خارج أحد المساجد في المرادية بالجزائر العاصمة،8حيث وجهوا مسدساً إلى رأسه وأرغموه على الركوب في سيارتهم التي انطلقت بهم إلى مكان مجهول. وبحسب ما ورد أبلغ الرجال المارة الذين سعوا إلى التدخل أنهم من موظفي دائرة الاستعلام والأمن. ويعاني كمال عكاش، وهو عامل في السوق، من داء الصرع. ولا يُعرف ما إذا يحصل على العقاقير التي يحتاجها.
وفي صبيحة السادس عشر من سبتمبر/أيلول، فتش ستة رجال يرتدون ملابس مدنية منزل كمال عكاش وأخذوا منه بعض أغراضه، ومن ضمنها جهاز حاسوب وآلة تصوير بالفيديو وكتب دينية وقرص دي في دي، فضلاً عن عقاقيره اليومية الخاصة بداء الصرع، لكنهم رفضوا إبلاغ والده بسبب اعتقاله أو مكانه.
وأبلغ والد كمال عكاش الشرطة باختطاف ابنه التي أحالت القضية إلى النائب العام. وتم أيضاً إبلاغ اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها، وهي الهيئة الجزائرية الرسمية لحقوق الإنسان، بعملية الخطف.
وفي 16نوفمبر/تشرين الثاني 2007، بعث المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب بطلب عاجل إلى الحكومة الجزائرية للحصول على معلومات حول قضية كمال عكاش، لكن حتى الآن، بعد مضي حوالي سبعة أشهر على القبض عليه في الشارع من جانب موظفين عموميين كما يبدو، لا يُعرف بأن السلطات أفصحت عن أية معلومات عنه.
الأشخاص الذين أبعدتهم المملكة المتحدة إلى الجزائر منذ العام 2006
برغم توفر أدلة مهمة على أن المعتقلين الذين تحتجزهم دائرة استعلام والأمن يتعرضون للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة أو الانتهاك لحقوقهم التي يكفلها القانون الجزائري، فإن السلطات في دول أخرى أعادت في السنوات الأخيرة مواطنين جزائريين اشتبهت في مشاركتهم في الإرهاب، بما في ذلك في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية. وقد أبعدت سلطات المملكة المتحدة تسعة مواطنين جزائريين على الأقل منذ العام 2006على أساس أنهم اعتبروا "خطراً على الأمن القومي".9ومن أصل هؤلاء التسعة، ألقت دائرة الاستعلام والأمن القبض على ثمانية منهم؛ وأُلقي القبض على سبعة منهم لدى وصولهم إلى مطار الجزائر العاصمة وعلى الثامن خلال أيام من وصوله. واحتُجزوا جميعهم في البداية بمعزل عن العالم الخارجي، لكن لم يزعم أي منهم أنه تعرض للتعذيب،10برغم أن اثنين يزعمان أنهما تعرضا لسوء المعاملة. وذكر أحدهما الذي نشير إليه لأسباب قانونية بالحرف "هـ"، أنه أثناء احتجازه من جانب دائرة الاستعلام والأمن سمع أشخاصاً آخرين يبكون ويصرخون من الألم.
وفي تطور غير مسبوق، سُمح لثلاثة من المعتقلين الثمانية بالاتصال بأقربائهم الذين يعيشون في الجزائر من مكان اعتقالهم لطمأنتهم، برغم أنهم لم يتمكنوا من الكشف عن مكان اعتقالهم. وفي جميع الحالات الأخرى التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية، لا يُسمح للمعتقلين لدى دائرة الاستعلام والأمن بإجراء أي اتصال بعائلاتهم خلال اعتقالهم السابق للمحاكمة ولا يُسمح لهم بتلقي زيارات من أقربائهم كما تقتضي المادة 51مكرر من قانون الإجراءات الجزائية الجزائرية. وحتى في مثل هذه القضايا التي تُسلط عليها الأضواء، وتتعلق بسلطات دولة أخرى، شعرت دائرة الاستعلام والأمن بأنها قادرة على أن تضرب عرض الحائط ببعض الضمانات المتوافرة للمعتقلين في القانون الجزائري. ويمكن لهذه الضمانات إذا احتُرمت بالكامل أن تقلل من خطر وحدوث التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة للمعتقلين المحتجزين لدى دائرة الاستعلام والأمن، لكن السهولة التي تتجاهل فيها هذه الدائرة الضمانات وتنتهكها، وإفلاتها من العقاب على ذلك، يُشيران إلى أن جميع المعتقلين لديها يجب أن يظلوا يُعتبرون بأنهم معرضون بشدة لخطر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.
ومن أصل الثمانية المعادين الذين اعتُقلوا، حوكم اثنان (يشار إليهما بالحرفين "ق" و"هـ") في المحاكم الجزائرية وأُدينا بتهمة الانتماء إلى شبكة إرهابية تعمل في الخارج. واستندت إدانتهما إلى محاضر الاستجواب التي أعدتها دائرة الاستعلام والأمن والتي يزعم المتهمان أنهما أُرغما على التوقيع عليها بدون موافقتهما. ولم يحصل كلا الرجلين على تمثيل قانوني عندما مثلا للمرة الأولى أمام قاضي التحقيق في نهاية فترة اعتقالهما السابق للمحاكمة. وقالا إنهما تعرضا لسوء المعاملة في الاعتقال لدى دائرة الاستعلام والأمن لكن المحكمة التي تولت محاكمتهما لم تأمر بإجراء تحقيق وحُكم عليهما بالسجن في نوفمبر/تشرين الثاني 2007.
حق الحصول على الرعاية الطبية
تمنح المادة 51مكرر من قانون الإجراءات الجزائية المعتقلين حق الحصول على فحص طبي يجريه طبيب يختارونه بأنفسهم في نهاية فترة التوقيف للنظر إذا طلبوا ذلك، وتنص على أنه يجب إبلاغ المعتقلين بهذا الحق.11وبرغم ذلك يقول المعتقلون الذين احتُجزوا لدى دائرة الاستعلام والأمن إنهم لم يحصلوا على فحص طبي في نهاية فترة التوقيف السابق للمحاكمة، أو يحاطوا علماً بهذا الحق.
وبموجب المادة 52من قانون الإجراءات الجزائية، يستطيع النائب العام تعيين طبيب لفحص المعتقلين المحتجزين في الاعتقال السابق للمحاكمة، إما بمبادرة منه أو بناء على طلب المعتقل أو عائلته. بيد أنه على حد علم منظمة العفو الدولية لم يتم فعل ذلك في أية قضية.
وفي الحقيقة، لم يُسمح للمعتقلين في أية قضية تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية بالحصول على فحوص طبية مستقلة أثناء احتجازهم قيد التوقيف للنظر من جانب دائرة الاستعلام والأمن. ولم يُسمح للمعتقلين في حالات التعذيب المزعوم التي حصلت عليها منظمة العفو الدولية بالحصول على فحص يجريه طبيب يختارونه بأنفسهم حالما ينتهي اعتقالهم لدى دائرة الاستعلام والأمن. وعندما تُقدم دائرة الاستعلام والأمن شهادات طبية لدى جلب المعتقل للمثول أمام السلطات القضائية، يبدو أن هذا مجرد إجراء شكلي يشير إلى الحالة الصحية العامة للمعتقل ولا يوثق أبداً آثار التعذيب.
وفي حالات استثنائية، ورد أن المعتقلين نُقلوا إلى مستشفى عين نعجة العسكري للعلاج الطبي، بما في ذلك عقب تعرضهم للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة. بيد أنه في هذه الحالات يبدو أن التقارير الطبية لم تُشر إلى أية جروح تتعلق بالتعذيب.
قضية منير حموش
في 23ديسمبر/كانون الأول 2006، قبض أفراد مسلحون من قوات الأمن يرتدون ملابس مدنية على منير حموش، البالغ من العمر 26عاماً، في بلدة عين تغروت بولاية برج بوعريريج. ولم تتلقَ عائلته أية أخبار عنه عقب توقيفه إلى أن اتصل بها أفراد قوات الأمن في 29ديسمبر/كانون الأول 2006لإبلاغها بأنه قد توفي. وقالوا إنهم يعتقدون أنه انتحر وأنه تم إجراء تشريح للجثة، لذا لا حاجة لأن تطلب العائلة إجراء تشريح.
وعندما أُعيدت جثة منير حموش، لاحظ أقرباؤه أنه كان هناك جرح في الرأس وكدمات على اليدين والقدمين. وقد دفنوا الجثمان في 30ديسمبر/كانون الأول، في ظل وجود أمني كثيف. ولا يُعرف بأن عائلة منير حموش قد اطلعت على تقرير التشريح الذي أشارت إليه قوات الأمن. وفي 26يونيو/حزيران 2007، ردت الحكومة الجزائرية على بيان مشترك صادر عن المقررين الخاصين للأمم المتحدة المعنيين بالتعذيب وبعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بإجراءات مقتضبة أو الإعدام التعسفي قائلة إن الفحص الجنائي أظهر أن الوفاة جاءت نتيجة اختناق ناجم عن الشنق. بيد أنه على حد علم منظمة العفو الدولية، لم يجر أي تحقيق شامل ومستقل في ملابسات وفاة منير حموش، بما في ذلك كيفية حدوث الجروح التي لاحظها وجودها أقرباؤه.
حق الاستعانة بمستشار قانوني
تكفل المادة 100من قانون الإجراءات الجزائية حقوق المعتقلين في الاستعانة بمستشار قانوني من اختيارهم وفي أن يقرروا عدم الإدلاء بأية أقوال أمام قاضي التحقيق. كما تحدد المادة واجب القاضي في إبلاغ المعتقلين بهذه الحقوق. وتنص المادة 105على أن جلسات المحكمة لا يمكن أن تُعقد من دون حضور محامي الدفاع، ما لم يعبر المعتقل صراحة عن رغبته بألا يمثله محام.
وعملياً يذكر المعتقلون عادة أن قاضي التحقيق لم يحطهم علماً بحقهم في الاستعانة بمحام من اختيارهم، أو أن القاضي يمكن أن يعين مستشاراً قانونياً نيابة عنهم، برغم أن المحاضر الرسمية لهذه الجلسات تشير عموماً إلى أن المعتقل أُبلغ بهذه الحقوق. وبحسب بعض المعتقلين السابقين، سألهم قاضي التحقيق عما إذا كانوا مستعدين للإدلاء بأقوالهم بدون حضور محاميهم ووافقوا، إما لأنهم لم يكونوا متأكدين من حقوقهم أو لأنهم كانوا يخشون لو طلبوا غير ذلك أن يُعادوا إلى حجز دائرة الاستعلام والأمن. وتتوافر نصوص خاصة بتقديم المساعدة القانونية إلى الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة توكيل محامٍ لكنها نادراً ما تُستعمل عملياً.
وحتى إذا كانت العائلة قد أبلغت أصلاً محامياً بالتوقيف أثناء استمرار وجود المشتبه به قيد التوقيف للنظر، ليس أمام المحامي أية وسيلة لمعرفة متى يُجلب المعتقل للمثول أمام السلطات القضائية، وبخاصة لأنه يتكرر انتهاك حد التوقيف البالغ 12يوماً بحسب القانون في القضايا المتعلقة بالإرهاب. وفي أغلب الأحيان قد يتناهى إلى علم محامي المعتقل أن موكله مثل أمام قاضي التحقيق بعد حصول ذلك، وربما عقب الإدلاء باعترافات مهمة.
ومما يثير القلق بشكل خاص أن معظم المتهمين في القضايا المتعلقة بالإرهاب في الجزائر لا يحصلون على أية مساعدة قانونية كافية خلال فترة اعتقالهم أو عندما يمثلون للمرة الأولى أمام قاضي التحقيق، وبخاصة نظراً للطبيعة الخطيرة للتهم والعقوبات في هذه القضايا. وكما أقرت اللجنة في تعليقها العام، تشكل الاستعانة بمستشار قانوني مستقل ضمانة مهمة ضد التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، كما أنها ضرورية في إنفاذ الحق في الطعن بقانونية الاعتقال.
قضية مراد يخلف
قُبض على مراد يخلف، وهو لاجئ جزائري في كندا، في العام 2001في مونتريال وأُعيد قسراً من كندا إلى الجزائر في العام 2003، بسبب صلاته المزعومة بجزائري آخر أُدين بتهمة القيام بأنشطة لها علاقة بالإرهاب. وكان قد حُكم على مراد يخلف بالسجن المؤبد في الجزائر العام 1993عقب إدانته غيابياً " بعضوية مجموعة إرهابية تنشط بالجزائر والخارج". وعندما أُعيد إلى الجزائر في العام 2002واجه ثلاث محاكمات منفصلة: في الأولى، أُعيدت محاكمته بالتهمة التي أُدين بها وصدر عليه حكم غيابي بشأنها في العام 1993، وبرئت ساحته؛ وفي الثانية، أُدين بتهم "الانتماء إلى عضوية جماعة إرهابية تنشط بالخارج تستهدف الاضرار بمصالح الجزائر" وحُكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات. وبحسب ما ورد أُدين فقط على أساس الأقوال التي أدلى بها أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي لدى دائرة الاستعلام والأمن. أما المحاكمة الثالثة، المقرر أن تبدأ في 16إبريل/نيسان 2008، فنصفها أدناه.
لدى وصوله إلى الجزائر العاصمة في أعقاب إعادته القسرية من كندا في العام 2003، قٌبض على مراد يخلف واعتُقل من جانب دائرة الاستعلام والأمن لمدة عشرة أيام، وقال إنه في ذلك الوقت تعرض للإكراه والإهانات. وأبلغت السلطات القضائية محاميه أنه محتجز لدى دائرة الاستعلام والأمن، لكنها لم تكشف النقاب عن مكان اعتقاله أو غير ذلك من التفاصيل، بينما قالت الشرطة لعائلته أنها لا تحتجزه ولا تعرف مكان وجوده.
بيد أن المحامين الذين يدافعون عن مراد يخلف اعتقدوا أنهم تعرفوا عليه عندما اقتيد إلى المحكمة من جانب موظفي دائرة الاستعلام والأمن في 10مارس/آذار 2003ومثل أمام قاضي التحقيق. وأبلغ محاموه موظفي المحكمة بحضورهم وكانوا خارج قاعة المحكمة، لكن قاضي التحقيق وأحد موظفي المحكمة رفضا السماح لهم بالدخول، بناء على طلب موظفي دائرة الاستعلام والأمن كما يبدو. وفيما بعد، طلب المحامون إلغاء محضر الجلسة التي عقدها قاضي التحقيق لأن مراد يخلف مثل بدون مستشار قانوني، في انتهاك لقانون الإجراءات الجزائية، لكن طلبهم رُفض على أساس أنه وفقاً للمحكمة، تخلى صراحة عن حقه في أن يساعده محامٍ. بيد أن مراد يخلف يقول إنه لم يُبلّغ بحقه في الاستعانة بمستشار قانوني وكان خائفاً جداً من الإصرار على حضور محام.
وفي 26مارس/آذار 2006، أُفرج عنه وقيل له إنه سيتم وقف جميع الإجراءات القضائية المتخذة ضده في إطار تدابير "المصالحة الوطنية". ثم بعد أسبوع أُعيد اعتقاله. وفي 9إبريل/نيسان نُقل عن وزير العدل طيب بلعيز قوله في الصحف إن مراد يخلف ما كان يجب أن يستفيد من تدابير "المصالحة الوطنية" بسبب مشاركته المزعومة في التخطيط لهجمات بالمتفجرات. وفي 21نوفمبر/تشرين الثاني 2006، اعتمدت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالاعتقال التعسفي الرأي القائل إن اعتقال مراد يخلف تعسفي لأنه ينتهك المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.12ومن المقرر أن يُقدم مراد يخلف مع عبد المجيد دحومان وعادل بومزبر إلى المحاكمة في 16 إبريل/نيسان 2008 بسبب صلاتهم المزعومة بجزائري آخر أُدين بممارسة أنشطة لها علاقة بالإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية.
أماكن الاعتقال السرية
يبدو أن المعتقلين الذين يُحتجزون كمشتبه بقيامهم بأنشطة إرهابية يُحتجزون بصورة روتينية في مرافق ليست أماكن اعتقال معترفاً بها رسمياً. وهي في معظمها ثكنات تديرها دائرة الاستعلام والأمن أو تخضع لسيطرتها، وأكثرها استخداماً ثكنة عنتر في حي حيدرة بالجزائر العاصمة.13وتقع هذه الثكنة في منطقة محاطة بغابة بحيث لا يراها الناس ولا يمكنهم الدخول إليها.
ويُنقل المعتقلون عموماً إلى هذه الثكنة في سيارات لا تحمل أية علامات ويجبرون على الاستلقاء أو الانحناء عند الاقتراب منها لمنعهم من رؤية المكان الذي يؤخذون إليه. وبالمثل، لا يُسمح للمعتقلين بمشاهدة محيط الثكنة عندما يُنقلون إلى خارجها. وقد أبلغ أحدهم منظمة العفو الدولية أنه كان يتم عصب عينيه بأنبوب مطاطي كلما كان يتم إدخاله إلى الثكنة أو إخراجه منها ولدى نقله بين زنزانته وغرفة الاستجواب. ونتيجة لهذه الإجراءات، يقول بعض المعتقلين السابقين إنهم لم يعرفوا قط أين كانوا يُحتجزون طوال مدة اعتقالهم، حتى ولو دام عدة أشهر.
وكما ذكرنا أعلاه، لا تُبلّغ عائلات المعتقلين بمكان اعتقالهم أو يُسمح لها بمقابلتهم فيه. وعندما تستفسر لدى الشرطة أو الدرك، يقال لها عموماً إن الشخص ليس معتقلاً أو إنه محتجز لدى دائرة الاستعلام والأمن، لكن لا تُعطى أية معلومات أخرى. ولم توجه السلطات القضائية أو الأفراد المنتسبين إلى الشرطة أو الدرك العائلات في أي من الحالات التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية إلى ثكنة عنتر، برغم أنه تبين لاحقاً أن أقرباءها كانوا محتجزين فيها في وقت الاستفسار.
وفي الحالات النادرة التي كان يُحتجز فيها المعتقلون في ثكنات تابعة لدائرة الاستعلام والأمن تقع خارج الجزائر العاصمة، كان الأقرباء يذهبون إلى الثكنات بمبادرة منهم ويتمكنون من الحصول على تأكيد شفوي من موظفي دائرة الاستعلام والأمن بأن قريبهم محتجز هناك، لكن لا يصدر أي اعتراف رسمي كامل أبداً كما يقتضي القانون الدولي. وفي هذه الحالات لم يُسمح للعائلات برؤية المعتقل أو الاتصال به. وبالتالي فإن وضع هؤلاء المعتقلين أيضاً يتمثل في أنهم محتجزون في مكان اعتقال غير رسمي وبدون أي اتصال بالعالم الخارجي، في انتهاك للقانون الدولي، بما فيه الاتفاقية.
وتُعرِّض ممارسة دائرة الاستعلام والأمن المتمثلة في احتجاز المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن سرية أو غير مصرَّح بها المعتقل بشكل متزايد لخطر التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة؛ واعتُبر الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي في مكان سري بأنه يصل إلى حد التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وإذا أعقب هذا الاعتقال رفض الإقرار به، أو الكشف عن مصير الشخص أو مكان وجوده، وبالتالي وضعه خارج إطار الحماية القانونية، فإنه يشكل اختفاءً قسرياً. ويمكن لآثار الاختفاء القسري التي تترتب على أفراد العائلة أن تشكل بحد ذاتها انتهاكاً منفصلاً للحظر المفروض على المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
قضية محمد رحموني
قُبض على محمد رحموني في صبيحة 18يوليو/تموز 2007من جانب ثلاثة من أفراد قوات الأمن يرتدون ملابس مدنية، عند محطة حافلات بالقرب من منزله في حي بوروبة بالجزائر العاصمة. وفي 24يوليو/تموز، فتش أفراد في قوات الأمن منزله. وفي 29يوليو/تموز، عادوا وطلبوا من عائلته التوقيع على بيان يقول إن قوات الأمن عثرت على مفاتيح شاحنة وسيارة مرسيدس خلال عملية التفتيش. فرفضت العائلة، قائلة إنها لا تملك هاتين السيارتين.
وتقدمت العائلة بشكوى لدى السلطات القضائية على أساس أن محمد رحموني اعتُقل بصورة تعسفية. وفي 18أغسطس/آب، استُدعيت والدته إلى مكتب الشرطة القضائية في بوروبة، حيث سُئلت كما يبدو لماذا تقدمت العائلة بشكوى وقيل لها إن دائرة الاستعلام والأمن تعامل ابنها معاملة حسنة، برغم عدم السماح لها برؤيته. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2007، قالت لها الشرطة في بوروبة إن محمد رحموني معتقل في سجن بالبليدة الواقعة جنوب الجزائر العاصمة؛ وفي البداية أنكر الحراس في سجن البليدة العسكري أنه هناك، لكنهم اعترفوا باحتجازه في 26 يناير/كانون الثاني 2008 بعد أن تقدمت والدته باستفسار آخر.
ولم يُسمح لمحمد رحموني بتلقي زيارات من عائلته ولا مكالمات هاتفية، وبحسب ما ورد يواجه المحاكمة بتهم تتعلق بالإرهاب أمام محكمة عسكرية في البليدة، وليس أمام محكمة جنائية عادية. ولم يُسمح لمحاميه بزيارته أو الاطلاع على ملف قضيته.
زيارة أماكن الاعتقال
في تعليقها العام رقم 2، سلطت اللجنة الضوء أيضاً على "الحاجة" لمبادرة السلطات الرسمية "إلى وضع آليات حيادية لتفتيش أماكن الاعتقال و الحبس وزيارتها" كوسيلة للحماية من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.
وتنص المادة 52 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري على أنه يجوز تفتيش جميع الأماكن التي يُحتجز فيها المعتقلون قيد التوقيف للنظر في أي وقت من جانب النائب العام للتأكد من استيفائها للضمانات المنصوص عليها في القانون الجزائري. بيد أنه على حد علم منظمة العفو الدولية، فإن الثكنات التي تستخدمها دائرة الاستعلام والأمن لاحتجاز المشتبه بهم واستجوابهم لا تخضع أبداً لعمليات التفتيش هذه. وفي مايو/أيار 2005، أبلغ مسؤولو وزارة العدل وفداً زائراً تابعاً لمنظمة العفو الدولية أن جميع مرافق الاعتقال مفتوحة أمام المعاينة من جانب أعضاء النيابة العامة بما فيها مرافق الاعتقال التي تستخدمها دائرة الاستعلام والأمن، لكنهم لم يتمكنوا من تقديم أية تفاصيل تشير إلى أن مثل هذه الزيارات قد تمت إلى ثكنات دائرة الاستعلام والأمن.
وقد أبلغ معتقلون سابقون منظمة العفو الدولية أن النائب العام لم يقم بأية زيارات تفتيشية خلال احتجازهم في ثكنات دائرة الاستعلام والأمن، كما ذكر محامو حقوق الإنسان أنه لم تُجر مثل هذه الزيارات على حد علمهم.
كذلك أُشير مؤخراً إلى استخدام السلطات الجزائرية لمرافق الاعتقال السرية في تقرير حول مشاركة الدول الأوروبية في عمليات "التسليم السري" قُدم إلى مجلس أوروبا، حيث ذُكر أن: "نقل المعتقلين الآخرين عبر دائرة التسليم السري [الأمريكي] استلزم حتماً نقل المعتقلين إلى خارج كابول إلى مرافق اعتقال بديلة في دول مختلفة... واستنادا إلى بيانات الطيران الرسمية، يمكن الاستدلال على الوجود المحتمل لمرافق اعتقال سرية في الجزائر..."14
الاعتقال المطول بدون تهمة
يجيز القانون الجزائري احتجاز الأشخاص المشتبه في قيامهم بأنشطة إرهابية بدون تهمة وبدون مقابلة محامٍ لفترات طويلة. وقد تلقت منظمة العفو الدولية أنباء حول ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد المعتقلين خلال الأيام الـ 12 الأولى من الاعتقال. وإضافة إلى ذلك، غالباً ما تُخل دائرة الاستعلام والأمن بالحد الزمني المنصوص عليه في القانون الجزائري.
وأحياناً تحتجز دائرة الاستعلام والأمن المشتبه بهم بدون تهمة أو مقابلة مستشار قانوني لفترات تفوق كثيراً مدة الـ 12 يوماً التي يحددها القانون الجزائري. ويمكن لهذا الاعتقال التعسفي أن يمتد إلى ما لا نهاية، طوال أشهر أو حتى سنوات. وأحياناً يخضع المعتقلون المحتجزون لفترات تتجاوز مدة التوقيف للنظر "للإقامة الجبرية". ولا يستطيع المعتقلون المحتجزون لدى دائرة الاستعلام والأمن في هذه الأوضاع، خارج الإطار القانوني، الطعن في قانونية اعتقالهم، لأنهم لا يحصلون على مراجعة قضائية إلى أن يمثلوا للمرة الأولى أمام قاضٍ، وقد لا يحدث ذلك إلا بعد مضي أشهر على توقيفهم.
وعموماً لا تحترم دائرة الاستعلام والأمن الضمانات الأخرى المنصوص عليها في القانون الجزائري والرامية إلى حماية المعتقلين الذين لم تُوجَّه تهم إليهم، ما يعني أن السلامة الجسدية للمعتقل تُعرَّض للخطر الشديد نتيجة الحد الزمني المفرط المسموح به في التوقيف للنظر.
قضية مالك مجنون
يظل مالك مجنون الذي قُبض عليه في 28سبتمبر/أيلول 1999ينتظر محاكمته، بعد مضي أكثر من ثماني سنوات على توقيفه.15وفي العام 2000، اتُهم بالمشاركة في قتل المطرب لوناس معطوب في العام 1998. وقد رُفعت قضيته إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التي قضت في أغسطس/آب 2006أنه ينبغي محاكمته أو الإفراج عنه فوراً.16كذلك حثت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان السلطات الجزائرية على فتح تحقيقات في الانتهاكات المزعومة لحقوقه الإنسانية. وقد احتُجز مالك مجنون رهن الاعتقال السري طوال سبعة أشهر عقب توقيفه ورد أنه تعرض خلالها للتعذيب.
أوامر التقييد
في المذكرة التي قدمتها إلى الرئيس الجزائري في إبريل/نيسان 2006، وثَّقت منظمة العفو الدولية ست حالات تجاوز فيها الاعتقال الحد القانوني للتوقيف للنظر بأسابيع أو أشهر. وفي أربع من هذه الحالات، ومن ضمنها حالة محمد بن يمينة ومحمد حريزي الذي احتُجز رهن الاعتقال السري طوال أكثر من سنتين، خضع المعتقلون رسمياً لأوامر تقييد أصدرتها وزارة الداخلية.17
وتقتضي أوامر التقييد من الشخص البقاء في مكان إقامة ثابت ويُفترض أنها بديل للسجن أو الاعتقال.18 بيد أن الأوامر تشير فقط إلى أنه لا يُسمح للشخص بمغادرة حدود ولاية الجزائر العاصمة ولا تحدد عنوان الإقامة أو مدة الإجراء. ونظراً لأنه في جميع الحالات التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية كان الأشخاص أصلاً معتقلين في الثكنات التابعة لجهاز المخابرات العسكرية، فيبدو أن الإجراء يُستخدم في محاولة لإخفاء الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها دائرة الاستعلام والأمن للقانون الجزائري والدولي تحت ستار قانوني سطحي لا يتقيد بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
قضية محمد فطمية
قُبض على محمد فطمية، وهو عامل بناء، في صباح 6يونيو/حزيران 2007على أيدي أفراد في قوات الأمن يرتدون ملابس مدنية بينما كان يعمل في موقع بناء في منطقة عين الكرمة في الجزائر العاصمة. وفي مساء ذلك اليوم أُخلي سبيل مديره الذي قُبض عليه معه. واستفسرت عائلة محمد فطمية عنه في عدة مراكز للشرطة الجزائرية، لكن قيل لها في كل منها إن الشرطة لا تعرفه. ومثُل ثلاثة رجال آخرين كان قد قُبض عليهم في الوقت ذاته بشأن القضية ذاتها أمام السلطات القضائية بعد قضاء حوالي 12يوماً في الحجز. وكانوا محتجزين لدى دائرة الاستعلام والأمن وزُعم أنهم تعرضوا للتعذيب في حجزها.
وفي 18نوفمبر/تشرين الثاني 2007، جُلب محمد فطمية للمثول أمام قاضٍ وأُعيد حبسه على ذمة التحقيق في سجن الحراش حيث سُمح له بتلقي زيارات. وقبل ذلك، ورد أنه كان محتجزاً لدى دائرة الاستعلام والأمن في ثكنة عنتر. وكما ورد تعرض لسوء المعاملة خلال الـ 12يوماً الأولى من الاعتقال قبل إخضاعه لأمر تقييد.
المراجعة القضائية للتوقيف
في تعليقها العام رقم 2، تسلط اللجنة الضوء أيضاً، كإجراء وقائي فعال تقتضيه المادة 2، على "إتاحة سبل الانتصاف القضائية وسواها أمام المعتقلين بما يسمح لهم بالنظر بصورة سريعة ومحايدة في شكاويهم، والدفاع عن حقوقهم، والطعن في قانونية اعتقالهم أو معاملتهم." ويشكل شرط تقديم الأشخاص المعتقلين دون إبطاء للمثول أمام هيئة قضائية محايدة ومستقلة، على أسس تتعلق بسلوك "إجرامي" بطبيعته، شرطاً في القانون الدولي لحقوق الإنسان ويُعترف به كتدبير لا غنى عنه لمنع وقوع التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.
وكما ذُكر أعلاه، فإنه بموجب المادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري، تُخوَّل الشرطة القضائية باحتجاز المشتبه بهم لمدة قصوى تبلغ 48 ساعة قيد التوقيف للنظر، ومن ثم توجه إليهم تهمة أو يُخلى سبيلهم. بيد أن حد الـ 48 ساعة يُمدد إلى أربعة أيام إذا كان المشتبه به محتجزاً للاشتباه بأنه " يمس بأمن الدولة"، ويمكن تمديده إلى حد أقصى يبلغ 12 يوماً بناء على إذن خطي صادر عن النائب العام، في حال اعتقال المشتبه به على أساس مزاعم ارتكاب "أفعال إرهابية أو تخريبية". وتنص المادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري على أنه كلما وُضع شخص قيد التوقيف للنظر، ينبغي على الموظف التابع للشرطة القضائية إبلاغ النائب العام فوراً وتزويده بتقرير حول أسباب الاعتقال. وإضافة إلى ذلك، تنص المادة 51 على أن أي اعتقال بدون تهمة تتجاوز مدته أربعة أيام يجب أن يأذن به النائب العام كتابةً.
ومن الناحية العملية، لا يبدو أن هناك مراجعة قضائية منهجية لاعتقال أولئك الذين تحتجزهم دائرة الاستعلام والأمن قيد التوقيف للنظر. ولم تتلق العائلات والمحامون الذين طلبوا معلومات من النائب العام حول المعتقلين المحتجزين لدى دائرة الاستعلام والأمن تأكيداً رسمياً لاعتقالهم أو أية معلومات حول أُسس الاعتقالات الأمر الذي يشير إلى أن السلطات القضائية قد لا تحاط علماً بصورة منهجية بعمليات التوقيف والاعتقال لدى دائرة الاستعلام والأمن أو أنها ليست مستعدة لإعطاء معلومات حول هذه الاعتقالات. ويبدو بالتالي أنه لا يوجد إشراف فعال من جانب النائب العام على الاعتقالات التي تقوم بها دائرة الاستعلام والأمن على عكس مقتضيات المادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية.
التعذيب الذي تسهله تدابير مكافحة الإرهاب
التعريف الواسع للإرهاب المستمد من قوانين الطوارئ
يحتفظ القانون الجزائري بتعريف واسع للإرهاب وُضع في البداية بموجب قانون الطوارئ في العام 1992 وفيما بعد جرى إدراجه في قانون العقوبات. وتنتهك بعض تدابير الطوارئ هذه المعايير الدولية وقد أسهمت بشكل مباشر في وقوع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة في الاعتقال. ويتسم تعريف الجرائم الإرهابية بدرجة كبيرة من الاتساع بحيث يشمل تجريم الأفعال التي تشكل ممارسة مشروعة للحقوق المدنية والسياسية، وتُستخدم صلاحيات التوقيف والاعتقال المتزايدة في الحالات التي تتعلق بالإرهاب المزعوم على خلفية ظاهرة إفلات الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون المشاركين في حماية الأمن القومي من العقاب.
ووفقاً للمادة 87 مكرر من قانون العقوبات، يُعرّف الإرهاب بأنه يشمل الجرائم التي يمكن أن تُعرِّض أمن الدولة وسلامة أراضيها والعمل الاعتيادي لمؤسساتها للخطر جراء أفعال مثل تعريض الأرواح أو الممتلكات للخطر؛ وعرقلة حرية التنقل؛ وعرقلة عمل السلطات العامة؛ والاعتداء على الرموز الوطنية والجمهورية؛ وإلحاق الضرر بالبيئة، أو بوسائل الاتصالات أو وسائط النقل؛ وعرقلة عمل المؤسسات العامة؛ وإعاقة حرية ممارسة العبادة والحريات العامة. وقد فسرت السلطات أو المحاكم هذه النصوص المصاغة بشكل واسع بأنها تشمل الممارسة السلمية للحقوق المدنية والسياسية.
وبموجب إطار حالة الطوارئ، اعتمدت السلطات أيضاً قوانين طارئة محددة أُدخلت بأكملها في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية في العام 1995. ووسعت هذه التدابير من نطاق عقوبة الإعدام وخفَّضت سن المسؤولية الجنائية إلى 16 عاماً، ومددت فترة الاعتقال السابق للمحاكمة في الحالات ذات الصلة من يومين إلى 12 يوماً.
السلطات الكاسحة لدائرة الاستعلام والأمن
يشكل ضباط وأفراد دائرة الاستعلام والأمن أعضاء في الجيش، وبالتالي يعملون تحت سلطة القيادة العليا للجيش ووزارة الدفاع. وباستثناء الفترة الممتدة بين العامين 1990 و1993، تولى رئيس الجمهورية الجزائري مهام وزير الدفاع، بمن فيه الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.
ووفقاً للقانون الجزائري، يستطيع أفراد دائرة الاستعلام والأمن ممارسة دور الشرطة القضائية، وهي وظيفة تمارس بخلاف ذلك من جانب الشرطة والدرك. ويتمتع موظفو الشرطة القضائية بصلاحيات لفتح تحقيقات شرطية وتوقيف المشتبه بهم واعتقالهم لاستجوابهم لفترة محددة من الزمن، التوقيف للنظر، إلى أن يتم توجيه تهم إليهم أو إخلاء سبيلهم. وتقتصر فترة التوقيف للنظر على 48 ساعة في القضايا الجنائية العادية، لكن يمكن تمديدها لغاية 12 يوماً في الحالات المرتبطة بأنشطة إرهابية مزعومة. وبحسب القانون، يجب أن يُعيَّن ضباط الأجهزة الأمنية العسكرية الذين يحق لهم ممارسة هذه المهام بموجب أمر مشترك صادر عن وزير الدفاع ووزير العدل.19بيد أنه لم تُنشر أية أوامر كهذه تتعلق بموظفي دائرة الاستعلام والأمن في الجريدة الرسمية الجزائرية منذ تأسيس هذا الجهاز في العام 1990. وعلى أية حال، لا يملك هؤلاء المسؤولون الصفتين المؤسسية والعملية للاستقلال والحيدة بالدرجة التي يقتضيها القانون الدولي لحقوق الإنسان للإشراف القضائي على الاعتقال.
وتلعب دائرة الاستعلام والأمن دوراً رئيسياً في التحقيق في الجرائم المزعومة المتعلقة بالإرهاب. فالاعتقالات المتعلقة بالإرهاب تجريها مباشرة دائرة الاستعلام والأمن أو يُنقل المشتبه بهم إلى حجزها خلال الأيام الأولى للاعتقال. وقد طلبت منظمة العفو الدولية معلومات من وزارة العدل لتوضيح دور دائرة الاستعلام والأمن في عمليات توقيف المشتبه بهم واعتقالهم. وخلال اجتماع عُقد في العام 2005، أبلغ مسؤولو وزارة العدل منظمة العفو الدولية أن الشرطة تتعامل مع الأغلبية العظمى من القضايا المتعلقة بالإرهاب، لكن منظمة العفو الدولية لم تطلع على أي دليل يؤيد هذا التأكيد.
التجريم والاستبعاد والتحقيق
تجريم التعذيب
أُدخلت تعديلات على قانون العقوبات في العام 2004 تجعل التعذيب صراحة جريمة. فالتعريف الوارد في المادة 263 مكرر من قانون العقوبات الجزائري تُعرف التعذيب باعتباره " كل عمل ينتج عنه عذاب أو ألم شديد جسديا كان أو عقليا يلحق عمدا بشخص ما، مهما كان سببه."
وتحدد المادة 263 مكرر 1 عقوبة بالسجن تتراوح بين 5 و10 سنوات وغرامة تتراوح قيمتها بين 100,000 و500,000 درهم جزائري لكل من يستخدم التعذيب ضد شخص آخر أو يحرض عليه أو يأمر بممارسته.
وتنص المادة 263 مكرر 2 أيضاً على أن "يعاقب بالسجن المؤقت من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة و بغرامة من 150.000 دج إلى 800.000 دج، كل موظف يمارس أو يحرض أو يأمر بممارسة التعذيب من أجل الحصول على اعترافات أو معلومات أو لأي سبب آخر. و تكون العقوبة السجن المؤبد، إذا سبق التعذيب أو صاحب أو تلى جناية غير القتل العمد. يعاقب بالسجن المؤقت من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات و بغرامة من 100.000 دج إلى 500.000 دج، كل موظف يوافق أو يسكت عن الأفعال المذكورة في المادة 263 مكرر من هذا القانون."
ونظرياً تغطي هذه النصوص إلى حد كبير النطاق المطلوب في تعريف التعذيب الوارد في المادة الأولى من الاتفاقية. كما يبدو أن شرط تجريم محاولة ممارسة التعذيب والمشاركة فيه والتواطؤ في ارتكابه مشمول في المواد 30 و41-43 من قانون العقوبات.
لكن لا يبدو أنه تم استيفاء شروط مهمة أخرى لتجريم التعذيب بموجب الاتفاقية. فعلى سبيل المثال:
تقتضي المادتان 2(2) و2(3) من الاتفاقية إلغاء مبررات معينة، ومن ضمنها مبررات من نوع "الضرورة" ومبررات "الأوامر العليا" بالنسبة للتعذيب. بيد أن قانون العقوبات الجزائري يتضمن مبررات عامة في المادة 39 والمادة 40 لأوضاع بينها "الضرورة" وبعض "الأوامر". ومع ذلك لا يبدو أن هناك أي نص يجعل هذه المبررات العامة غير منطبقة فيما يتعلق بجرائم التعذيب. ويبدو أن هذا ينتهك مباشرة المادتين 2(2) و2(3) من الاتفاقية.
وتنص المواد 277-283 من قانون العقوبات على بعض الأعذار التي يمكن أن تخفض بشكل ملموس من العقوبة المنطبقة على الجرائم التي تنطوي على عنف، ومن بينها التعذيب كما يبدو، ويبدو أنها تحبذ تخفيض العقوبة على التعذيب في هذه الظروف إلى حد أدنى يبلغ ستة أشهر وحد أقصى يبلغ سنتين فقط. ومرة أخرى يبدو هذا متعارضا مع المادة 4(2) من الاتفاقية كما طبقتها اللجنة.
وفيما يتعلق بالشروط الواردة في المواد من 5 إلى 7 من الاتفاقية بأن تؤسس الجزائر ولاية قضائية خارجية على أفعال التعذيب التي تُرتكب خارج أراضيها، تحيل المادة 3 من قانون العقوبات هذه المسألة إلى نصوص قانون الإجراءات. فالمادتان 590 و591 تؤسسان ولاية قضائية عامة على الجرائم المرتكبة على متن السفن والطائرات المسجلة في الجزائر، حسبما تقتضي المادة 5 (1) (1) من الاتفاقية. وتؤسس المادة 582 من قانون الإجراءات للعام 1999 الولاية القضائية العامة على الجرائم التي يرتكبها مواطنون جزائريون، حسبما تقتضي المادة 5(1) (2) من الاتفاقية، لكن فقط عندما يعود الشخص إلى الجزائر. لذا ليس واضحاً ما إذا كانت الجزائر تستطيع طلب تسليم أحد مواطنيها بسبب التعذيب الممارس في مكان آخر، في حال لم تتم مقاضاة المتهم في مكان آخر، وبالتالي ينبغي مراجعة هذه الفقرة لضمان التقيد التام بشروط الاتفاقية.
بيد أن الأثر المشترك للمواد 5(2) و 7 و8 من الاتفاقية يتمثل في أنه ينبغي على الدول الأطراف إقامة الولاية القضائية على أفعال التعذيب المرتكبة خارج أراضيها، من جانب شخص ينتمي إلى أية جنسية، عندما يعود فيما بعد إلى أراض الدولة الطرف ولا تسلمه الدولة الطرف إلى دولة أخرى. وهذا يعني أنه ينبغي على الجزائر إقامة الولاية القضائية على أي فعل من أفعال التعذيب – بما فيها حتى أفعال التعذيب المرتكبة من جانب غير الجزائريين خارج أراضي الجزائر ضد غير الجزائريين – حيث يدخل الجاني فيما بعد إلى الأراضي الجزائرية (أي حتى إذا كان وجود ممارس التعذيب المتهم هو الرابط الوحيد بالجزائر). وينبغي على الجزائر أن تزود نفسها بالولاية القضائية لمقاضاة هذا الشخص في حال عدم تسليمه إلى دولة أخرى ستقاضيه. ولا يبدو أن هذه الولاية القضائية منصوص عليها في القانون الجزائري وهي لازمة من أجل التقيد بهذه الواجبات المنصوص عليها في اتفاقية مناهضة التعذيب.
وعلاوة على ذلك، ليس للتجريم في القانون أهمية تُذكر ما لم يتم إنفاذ القانون في حالات معينة. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية ليست هناك أية قضية جرت فيها مقاضاة دائرة الاستعلام والأمن أو أي مسؤول أمني آخر بسبب أفعال التعذيب المزعومة أو غيرها من ضروب سوء المعاملة المزعومة قبل تعديل العام 2004 أو بعده.
استبعاد المعلومات التي تم الحصول عليها تحت وطأة التعذيب
كما ذُكر أعلاه، كان غرض التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة في معظم الحالات التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية انتزاع معلومات أو اعترافات من المعتقلين حول أنشطة الجماعات المسلحة في الجزائر، أو حول الإرهاب الدولي. وبحسب ما ورد طُلب من بعض المعتقلين إعطاء أسماء أشخاص آخرين يُزعم أن لهم صلات بالإرهاب. ثم جرت العادة عندها على إرغام المعتقلين على التوقيع على محضر استجواب غالباً ما يتضمن "اعترافاتهم" بعلاقتهم مع الجماعات المسلحة أو الإرهاب الدولي.
ويشيع استخدام محاضر الاستجواب هذه، التي يزعم المعتقلون أنهم غالباً ما يرغمون على التوقيع عليها بدون السماح لهم بقراءتها، كدليل إثبات في المحاكمات التي تجري لاحقاً وغالباً ما تشكل الدليل الوحيد لضمان استصدار إدانة، برغم أن المادة 215 من قانون الإجراءات الجزائية تنص على أن محاضر الاستجواب لدى الشرطة القضائية لا تشكل دليلاً ولا يجوز استخدامها إلا للاطلاع خلال الإجراءات القضائية. وفي حالات عديدة، يُزعم أن المعلومات الواردة في محاضر الاستجواب هذه المستمدة من دائرة الاستعلام والأمن تم الحصول عليها عبر التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة أو الإكراه، برغم أن طبيعة الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وانعدام الإشراف القضائي على أوضاع الاعتقال لدى دائرة الاستعلام والأمن يجعلان من الصعب أو المستحيل على المعتقل إثبات حدوث التعذيب. ومن الناحية العملية، قلما يطعن قضاة التحقيق أو المحاكم في المعلومات الواردة في محاضر الاستجواب ويميلون إلى رفض مزاعم المتهمين بتعرضهم للتعذيب من دون إجراء أي تحقيق وافٍ. وعلاوة على ذلك، لا يتضمن القانون الجزائري أي حظر لاستخدام أو قبول الأقوال أو الاعترافات المنتزعة تحت وطأة التعذيب، كما تعكس ذلك المادة 15 من الاتفاقية.
التحقيق في مزاعم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة
في تعليقها العام رقم 2، سلطت اللجنة الضوء على الحاجة لتزويد المعتقلين وسواهم "بسبل الانتصاف القضائية وسواها التي تسمح لهم بأن يُنظر في شكاويهم بصورة سريعة وحيادية". ويعكس هذا أيضاً المادتين 12 و13 من الاتفاقية، بما في ذلك: واجب المسؤولين في المباشرة في تحقيق سريع وحيادي، كلما كان هناك سبب معقول يدعو للاعتقاد أن عملاً من أعمال التعذيب قد ارتُكب في أي إقليم خاضع لولاياتها القضائية؛ والحق في تقديم شكوى إلى السلطات المختصة فيها، وفي أن تنظر في القضية بصورة سريعة وحيادية؛ وحق صاحب الشكوى والشهود في الحماية من كافة ضروب سوء المعاملة أو التخويف نتيجة لشكواه أو أي دليل يتم تقديمه.
وقد تلقت منظمة العفو الدولية معلومات حول عدة حالات أطلق فيها المعتقلون مزاعم حول التعذيب عندما جُلبوا للمثول للمرة الأولى أمام قاضي التحقيق حيث بدا أن القضاة رفضوا المزاعم بصورة روتينية بدون أن يأمروا بإجراء تحقيق. وعلاوة على ذلك