Document - فرار الملايين : أزمة اللاجئين العراقيين
قائمة المحتويات
1.3.2 عمليات الإعادة القسرية لأسباب جنائية 30
2.3.2 عمليات الإعادة القسرية إلى شمال العراق 32
4.2 التقاعس عن الحماية وتقييد المساعدات 33
فرار الملايين : أزمة اللاجئين العراقيين
1. تفاقم الأزمة
لم تشهد الأزمة الإنسانية التي تسبب بها النزوح الجماعي للاجئين هرباً من العنف المستمر وواسع النطاق في العراق انكفاءً. ففي الحقيقة تبين التقديرات الأخيرة أن الوضع العراقي يشكل أسرع أزمة تهجير اتساعاً في العالم، حيث وصل عدد المهجرين الآن إلى 4,2 مليون نسمة1- 2,2 مليون نازح داخل العراق2وأكثر من مليونين خارج البلاد. وأدى تأثير هذا النـزوح الجماعي إلى نشوء وضع حرج بشكل متزايد بالنسبة للمجتمعات المضيفة، لاسيما سورية والأردن لم يعد بالإمكان تجاهله. وتتخذ هاتان الدولتان المجاورتان الآن إجراءات مؤسفة لتقييد دخول اللاجئين العراقيين، مع اشتداد وطأة الأزمة الإنسانية التي تقاعس العالم حتى الآن عن مواجهتها بشكل كاف.
وبعد مضي أكثر من أربع سنوات على غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة، يظل السلام بعيد المنال بالنسبة للشعب العراقي. وقد تجاهلت سائر دول العالم إلى حد كبير الوضع الإنساني البائس للعراقيين الذين هُجروا داخل بلدهم وخارجه، ومن ضمنها تلك الدول تلك التي لعبت مشاركتها العسكرية في العراق دوراً في نشوء الوضع الذي فر منه ملايين الناس. وتشدقت الحكومات بكلام معسول تجاه احتياجات النازحين العراقيين، لكن الالتزام الحقيقي والمستمر بمساندتهم لم يصل أبداً إلى الدرجة الضرورية لمواجهة هذه الأزمة الفظيعة والمتفاقمة.
وأدى العنف والاضطراب الشديدان اللذان دفعا الناس إلى الهرب من العراق إلى أضخم حراك سكاني في الشرق الأوسط منذ تم نـزوح الفلسطينيين في أعقاب قيام دولة إسرائيل في العام 1948.3وليس مفاجئاً بأن يكون لهذا النـزوح واسع النطاق وقع شديد داخل العراق وعلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول الرئيسية التي تستضيف هؤلاء الناس. ويشكل الـ 1,4 مليون لاجئ عراقي في سورية الآن نسبة لا تقل عن 7 بالمائة من السكان؛4وفي الأردن يشكل اللاجئون العراقيون الذين يتراوح عددهم بين 500,000 و750,0005قرابة 10 بالمائة من السكان.6وكان من المحتم أن يتأثر كلا البلدين تأثراً شديداً بتدفق اللاجئين العراقيين، والوضع آخذ بالتفاقم مع نفاد المدخرات التي جلبها العديد من اللاجئين معهم. ومع تعرض الموارد الحكومية لضغط شديد يوشك أن يصل إلى حد الانفجار وازدياد الضغط المحلي، يجري اتخاذ تدابير ترمي إلى الحد من تدفق اللاجئين. وقد فرضت الحكومة السورية قيوداً شديدة مؤخراً على منح التأشيرات إلى العراقيين الراغبين بدخول البلاد. وبينما جرى تعليقها مؤقتاً حتى نهاية شهر رمضان، فإنها عندما تُنفَّذ بالكامل فستُغلق فعلياً درب الهروب الأخير المفتوح أمام العراقيين. وفي هذه الأثناء فإن السلطات الأردنية مصممة على فرض شروط جديدة خاصة بالتأشيرات ستنظم الممارسة الراهنة التي تفرض أصلاً قيوداً على الدخول، حيث لا يُسمح إلا بدخول العراقيين الذين يحملون أذون إقامة أردنية وأولئك الراغبين في الدخول لأسباب طبية معتمدة والمدعوين لحضور المؤتمرات.
وبرغم هذا الوضع الحرج، صدر رد قاصر عن العديد من أعضاء المجتمع الدولي بمن فيهم الدول التي شاركت في الغزو الأمريكي ويمكن أن نعتبر بأن عليها واجب خاص لمعالجة الآثار الإنسانية لعملياتها العسكرية. ولم تقدم الإغاثة السريعة، على شكل مساعدات مالية وسواها وتسهيل توطين اللاجئين. وقدمت الدول مساعدات تقل كثيراً عن ما بمقدورها الإسهام به لا بل يترتب عليها، ولم يقدم العديد منها أي إسهام في توطين اللاجئين. والأسوأ من ذلك، أبدت السلطات في بعض الدول استعداداً فعلياً لتعريض حياة الناس للخطر، بما في ذلك عن طريق عمليات الإعادة القسرية إلى العراق، وقطع المساعدات الأساسية عن طالبي اللجوء العراقيين الذين رُفضت طلباتهم أثناء وجودهم في دولها، وسحب وضع اللاجئ منهم.
وانتعشت الآمال في فترة سابقة من العام 2007 عندما دعت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عقد مؤتمر كبير في جنيف لتوعية المجتمع الدولي بالأزمة،7لكن لم تظهر بعد أية نتائج ملموسة. ولا شك في وجود حاجة إلى مساندة فورية للاجئين العراقيين والدول التي تستضيفهم. ويتحمل المجتمع الدولي مسؤولية لمساعدة هذه الدول المضيفة في مواجهة وإدارة هذه الأزمة التي لم تعد الآن ويوماً بعد يوم أزمة عراقية فقط، بل تتخذ أبعاد أزمة محلية في هذه الدول أيضاً. وتتسم الالتزامات المحسوسة والمنفذة لتقديم المساعدات إلى دول المنطقة وتوطين اللاجئين الأكثر عرضة للانتهاكات بأهمية حاسمة الآن أكثر من أي وقت مضى.
ويساور منظمة العفو الدولية قلق عميق من أنه بدون تقديم التزامات متزايدة وطويلة الأجل من جانب المجتمع الدولي، ستصبح حياة النازحين العراقيين أكثر بؤساً فيما يحاولون جاهدين سد احتياجاتهم اليومية، بما فيها المسكن والمأكل والعمل والرعاية الصحية. وهناك خطر أيضاً في أنه إذا لم تتم مواجهة الأزمة، فسوف تنفجر وتزيد من زعزعة استقرار المنطقة وتؤدي إلى مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 2007، أجرت منظمة العفو الدولية دراسة، عن طريق مكاتبها حول العالم، لردود دول مختارة لديها أنظمة لجوء متطورة وتقع خارج الشرق الأوسط على أزمة اللاجئين العراقيين.8كما أنها بعثت بوفود إلى الأردن (في مارس/آذار وسبتمبر/أيلول 2007) وسورية (يونيو/حزيران 2007) لتقييم الوضع الإنساني الذي يواجهه اللاجئون في المنطقة، وتأثير ذلك على هذه الدول. والخلاصة المقلقة التي توصلت إليها هي أنه برغم ازدياد الوضع حرجاً، تظل إسهامات الدول الأخرى الرامية إلى تقاسم مسؤولية الأزمة قاصرة بدرجة خطرة.
وتلخص هذه المذكرة نتائج تحليل منظمة العفو الدولية لرد المجتمع الدولي، مع التركيز على عدد من الدول المختارة. كما تقدم معلومات حول الوضع في سورية والأردن، الدولتين المضيفتين الرئيسيتين للاجئين العراقيين. وتتضمن توصيات موجهة إلى أعضاء المجتمع الدولي الذي يتحملون مسؤولية مواجهة هذه الأزمة، حيث تلقي الضوء على الحاجة للوفاء بالأعباء المترتبة عليها وواجباتها في تقاسم المسؤولية وتخفيف الضغط عن الدول التي تتحمل حالياً عبء الأزمة.
"الحقيقة هي أنني شخص يحب بلده. لقد اضطررت إلى مغادرة العراق بسبب الوضع الأمني السيئ. وإضافة إلى ذلك، لا تتوافر أية خدمات لا كهرباء ولا ماء ولا أمن. واضطررت أنا وعائلتي والعديد من العائلات الأخرى إلى المغادرة. بيد أنه إذا شهد الوضع غداً تحسناً بنسبة 50 بالمائة فقط، فسوف أعود".
مقابلة مع ناجٍ عراقي من الخطف والتعذيب، أجرتها منظمة العفو الدولية في يونيو/حزيران 2007 في سورية.
1.1 حجم المشكلة
وصل عدد الأشخاص الذين هُجروا قسراً بسبب العنف والنـزاع الدائرين في العراق إلى رقم قياسي. وبينما لا توجد أية إحصائيات رسمية حول الأعداد الفعلية للذين فروا، إلا أن التقديرات الحديثة تشير إلى أن الناس يفرون بمعدلات أسرع من أي وقت مضى. وتنبأت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مؤخراً بأن عدد المهجرين حديثاً يقارب الـ 2000 شخص يومياً، ما يوازي 80 شخصاً في الساعة (ليلاً نهاراً).9
لقد اقتُلع ما يقدر بـ 4,2 مليون عراقي من ديارهم وحياتهم فيما يستمر العنف الذي يضيق الخناق على البلاد بلا انقطاع. وقد هُجر البعض قبل العام 2003، لكن كثيرين فروا منذ ذلك الحين وأعدادهم آخذة في الازدياد. وشهدت الدولتان المجاورتان الأردن وسورية اللتان أبقتا حدودهما مفتوحة أمام العراقيين معظم الفترة التي تلت الغزو الأمريكي في العام 2003، شهدتا التدفقات الأكبر وبالتالي تواجهان الضغوط الأقوى. ويٌُقدَّر الآن وجود ما يربو على 1,4 مليون عراقي في سورية10وتقدِّر السلطات الأردنية عدد العراقيين في الأردن بين 500,000 و750,000.11
وفي حين أن عدد النازحين العراقيين في دول تقع خارج المنطقة ضئيل قياساً بالأعداد الكبيرة التي يستضيفها الأردن وسورية، إلا أنه آخذ في الازدياد. وارتفع عدد طالبي اللجوء العراقيين في أوروبا إلى ما يقرب من 20,000 في النصف الأول من العام 2007، ما يوازي العدد الذي استقبلته في العام 2006 بأكمله.12
ففي ألمانيا، مثلاً، تم تلقي 1293 طلباً من العراقيين في العام 2004؛ و2117 في العام 2006 وتقريباً العدد نفسه، أي حوالي 1922 في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2007.
وتلقت الدنمرك 217 طلباً للحماية من العراقيين في العام 2004، و264 في العام 2005 و519 في العام 2006 و693 في الأشهر السبعة الأولى من العام 2007.
ولعل السويد شهدت الزيادة الأبرز، حيث ارتفعت الطلبات من 1456 في العام 2004 إلى حوالي 9321 في الأشهر الستة الأولى من العام 2007.
وفي أستراليا، حدثت زيادة من 107 في العام 2005-2006 إلى 207 في العام 2006-2007.
2.1 الوضع في سورية والأردن
يستحق الاستعداد الذي أبدته سورية والأردن لاستضافة قرابة مليوني لاجئ عراقي فيما بينهما الثناء والإشادة ويتعارض مع نهج الدول الأخرى المجاورة للعراق، مثل المملكة العربية السعودية. إذ إن السلطات السعودية أبقت حدودها مغلقة في وجه الأشخاص الذين حاولوا الفرار من العراق وأعلنت أن المملكة ستبني سوراً على طول هذه الحدود لأسباب أمنية. وحتى الآن ورد أن السور لم يكتمل بعد، لكن قوات الأمن السعودية تنتشر كما يقال على طول الحدود مع العراق من الكويت وحتى الأردن لاعتراض سبيل أولئك الذين يحاولون العبور. وبرغم الإقرار بمصلحة السعودية في الاحتفاظ بالتدابير الأمنية على حدودها، إلا أن هذه التدابير ينبغي أن تسمح أيضاً للاجئين بدخول البلاد تماشياً مع القانون الدولي.
وأدى غياب الجهود الملموسة من جانب الدول الأخرى لتقاسم مسؤولية حماية اللاجئين العراقيين ومساعدتهم إلى مباشرة الأردن وسورية باتخاذ تدابير قاسية للحد من التدفقات السكانية الكبيرة. ففي 10 سبتمبر/أيلول 2007 فرضت سورية قيوداً على التأشيرات الممنوحة للعراقيين الراغبين بالدخول إلى أراضيها.13وبينما توجد استثناءات محدودة لبعض فئات المهن14، إلا أن التأثير العام لهذا التدبير المؤسف سيتمثل في إغلاق الحدود في وجه أولئك الذين يحتاجون إلى الهرب والحصول على الحماية. وبالمثل أُبلغ مندوبو منظمة العفو الدولية خلال زيارتهم الأخيرة إلى العاصمة الأردنية عمان أن فرض قيود على منح التأشيرات إلى العراقيين الراغبين بالدخول إلى الأردن بات وشيكاً. فإذا صح ذلك، ستحول أكثر دون اللجوء إلى الأردن كملاذ آمن. وفي فترة سابقة من هذا العام بدأت السلطات الأردنية العمل بإجراء مشدد جداً للدخول عند الحدود، حيث لا يُسمح إلا لحاملي أذون الإقامة أو الدعوات الخاصة بأغراض طبية أو تعليمية بالمرور عند الحدود.
وفي حين أن الأردن وسورية ليسا طرفين في الصكوك الرئيسية للقانون الدولي للاجئين15، إلا أنهما ملزمان بموجب القانون العرفي الدولي والقانون العام لحقوق الإنسان16بمراعاة مبدأ عدم الإعادة القسرية وبعدم إعادة أي شخص إلى وضع يمكن أن يواجه فيه انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. ويتضمن هذا المبدأ ضمنياً شرط عدم رفض إدخال الأشخاص المحتاجين للحماية الدولية على الحدود.
وإزاء هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين، لا يحتمل أن تقل الحاجة إلى المعونات الدولية لمساعدة الحكومات المضيفة على تلبية احتياجات اللاجئين. وفضلاً عن ذلك، ثمة حاجة إلى اتخاذ خطوات عاجلة لوضع برامج أكثر سخاء لتوطين اللاجئين. ويشكل الإعلان الأخير من جانب بعض الدول المساهمة في القوة متعددة الجنسية بقيادة الولايات المتحدة بأنها ستقوم بتوطين المترجمين وسواهم ممن عملوا مع هذه القوات، والذين يواجهون الآن مخاطر متزايدة في العراق نتيجة لذلك، تطوراً يحظى بالترحيب، لكنه غير كافٍ. إذ إن هناك حاجة ملحة لحدوث زيادة ملموسة في توطين اللاجئين العراقيين، وبخاصة أولئك الذين يُعتبرون الأكثر تعرضاً للانتهاكات.17
وخلال الزيارات الثلاث التي قامت بها إلى الأردن وسورية في العام 2007 لإجراء أبحاث ميدانية، وجدت منظمة العفو الدولية وضعاً مزرياً. وبرغم الجهود الملفتة التي بذلتها السلطات السورية والأردنية ومنظمات محلية مثل الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من الهيئات الدولية، يبدو أن الأوضاع المعيشية للاجئين العراقيين تزداد بؤساً. وفيما يلي وصف للنتائج المهمة التي توصلت إليها الأبحاث.
1.2.1 الأوضاع في سورية
اليوم تستضيف سورية ما يُقدَّر بـ 1,4 مليون لاجئ عراقي. وتظل البلاد منذ زمن طويل مكان لجوء بالنسبة للعراقيين. فخلال عهد صدام حسين، توجه آلاف الأشخاص المعارضين لحكمه إلى منفاهم في سورية، ومن ضمنهم أعضاء في الحكومة الحالية في العراق. وبينما عاد العديد من العراقيين إلى وطنهم في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003، إلا أن عدد العراقيين الذين لجئوا إلى سورية ارتفع بشكل هائل خلال السنوات الأربع الماضية. ووفقاً لدراسة مسحية أجرتها هيئات تابعة للأمم المتحدة، كان هناك حوالي 450,000 لاجئ عراقي يعيشون في سورية في نهاية العام 2005.18وبعد سنة فقط، بحلول الربع الأول من العام 2007، وصل العدد إلى ما يفوق المليون، نتيجة النـزوح الجماعي الناجم عن ازدياد العنف الطائفي في العراق، وبخاصة عقب الاعتداء الذي وقع في فبراير/شباط 2006 على المرقد الشيعي المقدس في سامراء.
صاحب دكان من بغداد
أ أ، صاحب دكان عمره 45 عاماً، خطفه رجال مسلحون يرتدون ملابس مدنية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 عند حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً. في حي البيعة في بغداد. وتوقفت سيارتان بجانبه ودُفع إلى داخل إحداهما. واقتيد إلى منـزل عرف فيما بعد بأنه يقع في حي الأمل ببغداد.
وخلال الأيام الأربعة التي أمضاها مختطفاً، ورد أنه تعرض لمختلف صنوف التعذيب. وتضمنت ضربه بكبل وعصا على مختلف أنحاء جسده؛ وصعقه بالصدمات الكهربائية على أذنيه وثقب ثقوب في ساقه اليمنى. كذلك جرح ظهره بسكين اثنتي عشرة مرة – وكانت الندب ما زالت بادية للعيان عندما التقى به مندوبو منظمة العفو الدولية بعد سبعة أشهر تقريباً من وقوع الحادثة.
وفي اليوم الرابع من اختطافه، لحقت بالمبنى الذي كان أ أ محتجزاً فيه أضرار نتيجة لهجوم شنته جانب جماعة مسلحة وتم إنقاذه. وتحقق أفراد الجماعة المسلحة من هويته السنية قبل ترتيب حصوله على علاج طبي. وبعد فترة نقاهة استمرت عدة أشهر فر إلى سورية.
وأسوة بلاجئين عراقيين كثر، اضطر أ أ منذ وصوله إلى سورية إلى مغادرة البلاد كل ثلاثة أشهر للحصول على تأشيرة إعادة دخول جديدة. وهذا يعني عملياً عودة وجيزة إلى العراق عند الحدود السورية – العراقية. بيد أن أ أ يخاف من دخول العراق لأنه يخشى أعضاء الجماعات المسلحة – وبخاصة جيش المهدي – الذين يعملون على الحدود. وعوضاً عن تحمُّل المخاطرة، يفضل أ أ البقاء في دمشق بصورة غير قانونية.
أجرت منظمة العفو الدولية مقابلة معه في يونيو/حزيران 2007 في سورية.
وتقيم الأغلبية العظمى من العراقيين الموجودين في سورية في دمشق والمناطق المحيطة بها (دمشق الكبرى)، ويتجمع العديد منهم في أحياء معينة، مثل السيدة زينب، حيث أغلبية العراقيين من الشيعة، وجرمانا التي يعيش فيها العديد من أبناء الأقليات الدينية العراقية.
ويظل عدد الأقليات الدينية غير الإسلامية في العراق، مثل المسيحيين والأشخاص المنتمين إلى طائفة الصابئة/المندئية، يشكلون نسبة عالية غير متناسبة في صفوف اللاجئين. وخلال الـ 18 شهراً الماضية، شعرت الطوائف الدينية غير الإسلامية بأنها معرضة بشكل خاص للانتهاكات في العراق. وقد وجدت نفسها أسيرة الصراع الطائفي بين السنّة والشيعة، لكنها لم تتمكن من الحصول على الحماية من حكومة عراقية بالكاد تؤدي وظيفتها، وليس لديها جماعات مسلحة خاصة بها للدفاع عنها ضد القوات السنية والشيعية المتشددة. وقد احتُجز عشرات المسيحيين والصابئة/المندئيين رهائن وقُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة في العراق. وإضافة إلى ذلك، ورد أن عدداً من النساء اللاتي ينتمين إلى مختلف الطوائف في العراق فررن من العراق إلى سورية لأنهن كنَّ معرضات لخطر التحول إلى ضحايا لما يسمى بجرائم الشرف.
إن جميع اللاجئين العراقيين الذين أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم في سورية في يونيو/حزيران 2007 كانوا تقريباً ضحايا جدد للانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في العراق وشعروا بأنهم لم يعد لديهم من خيار سوى مغادرة البلاد. وكان بينهم مسلمون سنَّة كانوا مقيمين في أحياء ذات أغلبية شيعية في بغداد أو في بلدات ومدن أخرى، ومسلمون شيعة كانوا يعيشون في أحياء ذات أغلبية سنية. وأُرغموا جميعهم على مغادرة ديارهم عندما جرى تطهير أحيائهم من خلال عملية مشابهة "للتطهير العرقي" على أيدي أعضاء في جماعات مسلحة طائفية. وذكر عدة لاجئين أنهم غادروا منازلهم عقب تلقيهم تهديدات من جماعات مسلحة سنية أو شيعية بقتلهم إذا لم يفعلوا ذلك.
وكان بين اللاجئين أيضاً أعضاء في أقليات دينية وإثنية، مثل المسيحيين والصابئة/المندئيين واليزيديين، لاذوا بالفرار بسبب الهجمات الطائفية. وقد تعرض بعضهم للتعذيب عندما احتُجزوا رهائن لدى الجماعات المسلحة. وذكر آخرون أن أفراد عائلاتهم احتُجزوا كرهائن وقُتلوا.
وقال قلة من الرجال والنساء على السواء إنهم تعرضوا للاغتصاب – على أيدي الجماعات المسلحة بصورة رئيسية.
اغتصاب أم حامل من بغداد
في أكتوبر/تشرين الأول 2005، وفي ساعة مبكرة من الصباح دخل أربعة رجال ملثمين ومسلحين عنوة إلى منـزل عائلة من الصابئة/المندئيين في بغداد. وتعرض الأطفال ووالدهم للضرب والتكبيل بالأغلال، بينما أُرغمت الوالدة ب ب على الدخول إلى غرفة أخرى وهناك أقدم أحد الرجال على ركل ب ب التي كانت حاملاً في شهرها الخامس في بطنها وأحرق ذراعها اليسرى بسيجارة. ثم اغتصبها وكان كما يبدو يعلم أنها من الصائبة/المندئيين وقال كما ورد إنه يريدها أن تفقد طفلها. فغابت عن الوعي واستفاقت في أحد المستشفيات حيث علمت أن الحمل انتهى بسبب الجروح التي تسبب بها الغاصب. وعندها هربت العائلة إلى سورية.
وعندما التقى مندوبو منظمة العفو الدولية بالمرأة بعد مضي حوالي 20 شهراً على الحادثة، كانت ما زالت تتلقى علاجاً طبياً متكرراً وما زالت آثار الحروق في ذراعها بادية للعيان.
مقابلة أجرتها منظمة العفو الدولية في يونيو/حزيران 2007 في سورية.
كذلك يضم العراقيون الذين يعيشون حالياً في سورية العديد من الأعضاء السابقين في حزب البعث ومسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين في عهد صدام حسين، من الشيعة والسنَّة الذين فروا عقب الإطاحة به من السلطة بسبب استهداف الجماعات المسلحة لهم. وتوجه آخرون إلى سورية لأنهم كانوا يخشون من أن تلقي قوات الأمن العراقية الجديدة القبض عليهم لأنهم عملوا تحت راية حزب البعث الذي أُطيح به.
الدخول والوضع القانوني
حتى نهاية العام 2006 كانت جوازات سفر العراقيين الذين يدخلون إلى سورية تُختم على الحدود ويحصلون على تأشيرة لمدة ثلاثة أشهر. ويمكن تجديدها لمدة ثلاثة أشهر أخرى في مكتب إدارة الجوازات والهجرة السوري في دمشق أو سواها. وقد تغيّر ذلك في بداية العام 2007 عندما خفضت السلطات السورية مدة التأشيرة الأولية إلى شهر واحد، مع إمكانية تجديد هذه التأشيرة لمدة شهرين آخرين.
وحالما يتم تجديد التأشيرة لمدة شهرين وتوشك على الانتهاء، ينبغي على العراقيين مغادرة البلاد والحصول على تأشيرة جديدة إذا رغبوا في الدخول مرة أخرى. وعملياً، يسافر معظمهم إلى نقطة التفتيش الحدودية للخروج من سورية، وبالتالي يحصلون على ختم خروج، وعندها يدخلون مرة أخرى على الفور، فيحصلون على تأشيرة لمدة شهر (قابلة للتجديد لمدة شهرين إضافيين) عندما يفعلون ذلك. وذكر بعض الذين أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم أنهم يخشون السفر إلى المعبر الحدودي لأنهم يعتقدون أن أعضاء الجماعات المسلحة يعملون داخل الجانب العراقي من الحدود مباشرة ويمكن أن يشكلون خطراً عليهم.
وأبلغ المسؤولون السوريون منظمة العفو الدولية أن أغلبية العراقيين يقيمون في سورية بصورة غير نظامية، بدون تأشيرات صالحة، لكن الحكومة السورية تتساهل إزاء هذا الأمر. وأقر المسؤولون السوريون أن عدداً من العراقيين أُعيدوا قسراً إلى العراق، لكنهم قالوا إن الأشخاص المعنيين اتهموا بارتكاب أفعال إجرامية برغم أنه لم تُوجَّه إليهم تهم أو يُقدموا للمحاكمة. بيد أن منظمة العفو الدولية تلقت معلومات تشير إلى أن اللاجئين العراقيين الذين يتورطون في نزاعات مع المواطنين السوريين أو يبدو أنهم كذلك يتعرضون بشكل خاص للإعادة إلى العراق. فمثلاً، ورد أن رجلاً عراقياً هرب إلى سورية عقب اعتقاله من جانب القوة متعددة الجنسية ووجد عملاً لدى شركة خاصة، تلاسن مع موظف سوري ما لبث أن تقدم بشكوى ضده. فاعتُقل الرجل العراقي واقتيد إلى إدارة الجوازات والهجرة حيث احتُجز لمدة ثلاثة أيام قبل ترحيله إلى العراق كما ورد.
كذلك أبلغ لاجئون عراقيون منظمة العفو الدولية أنهم اضطروا بصورة متكررة إلى دفع رشاوى إلى أفراد الأمن السوريين عندما ضُبطوا بدون تصاريح إقامة صالحة أو عقود إيجار.
وتغيرت سياسة الحدود المفتوحة التي انتهجتها سورية تجاه معظم العراقيين في 10 سبتمبر/أيلول 2007 عندما فُرضت قيود جديدة على تأشيرة إعادة دخول جميع العراقيين الذين يرغبون في الدخول، مع استثناءات قليلة.19وبينما جرى تعليق هذا الإجراء مؤقتاً حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2007 خلال شهر رمضان، إلا أنه يشترط على العراقيين تقديم طلب للحصول على تأشيرة من السفارة السورية في حي المنصور ببغداد. وتظل هذه المنطقة تشهد عنفاً طائفياً متكرراً، وقد أخطر العراقيون المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن حياتهم ستتعرض للخطر إذا أُجبروا على زيارة هذه المنطقة للحصول على تأشيرة.20
ووفقاً لمسؤولي المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإنه اعتباراً من سبتمبر/أيلول 2007، سجلت الوكالة قرابة 118,000 عراقي.21ومعظم الذين سُجِّلوا في الآونة الأخيرة هم من السنَّة، يليهم الشيعة والمسيحيون. وقبل نهاية العام 2005، سُجِّل زهاء 25,000 عراقي لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكن هذا العدد ارتفع إلى 40,000 بحلول نهاية العام 2006. وحتى نهاية مارس/آذار 2007، تلقى العراقيون الذين سُجِّلوا لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، رسائل حماية مؤقتة من الوكالة صالحة لمدة ستة أشهر وقابلة للتجديد. ومنذ إبريل/نيسان 2007، أقرت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن جميع العراقيين القادمين من المناطق الوسطى والجنوبية من العراق هم لاجئون بشكل ظاهر الوجاهة، برغم أن موظفي الحماية في المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يظلون يجرون مقابلات معهم لمعرفة ما إذا كانوا فعلاً من إحدى هذه المناطق. وتنظر المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حالات طالبي اللجوء العراقيين القادمين من أي من المحافظات الكردية الثلاث الواقعة في شمال العراق كل على حدة لتحديد ما إذا كانت لديهم مخاوف من الاضطهاد قائمة على أسس جيدة.
الحصول على المأكل والمسكن والعمل
ينبغي على اللاجئين العراقيين في سورية تسديد نفقات معيشتهم اليومية – ومن ضمنها المأكل والمسكن – من مدخراتهم أو عن طريق الدعم المالي الذي يحصلون عليه من أقربائهم أو العمل بصورة غير قانونية. ويتلقى العديد من العراقيين المسجلين لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حصة شهرية من الأطعمة الجافة. وتوزع جمعية الهلال الأحمر العربي السوري أغذية مقدمة من برنامج الغذاء العالمي على 30,000 لاجئ عراقي. كما توزع كاريتاس الأطعمة أيضاً على العراقيين نيابة عن المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتتلقى كلا المنظمتين قوائم بأسماء اللاجئين العراقيين المتلقين من المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتتضمن سلة الأطعمة الأرز وزيت الطهي والعدس وغيره من أنواع الأغذية الجافة. وعلى صعيد التغذية، هناك بوضوح حاجة ملحة للفاكهة والخضار الطازجة واللحم.
كذلك يوزع عدد متزايد من الجمعيات الخيرية المسيحية والإسلامية وجبات الطعام على العائلات العراقية المحتاجة. بيد أن المساعدة الإنسانية التي تقدمها الهيئات التابعة للأمم المتحدة وحفنة من المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية تظل تعمل في العراق لا تصل إلا إلى قلة من اللاجئين. وقال العديد من العراقيين الذين أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم إنهم لم يتلقوا أية مساعدات غذائية برغم أن مدخراتهم قد استُنفدت.
وقالت امرأة عراقية إنها هربت إلى سورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 بعد أن خطفت جماعة مسلحة زوجها في يوليو/تموز 2006 وقتلته. وقالت لمنظمة العفو الدولية :
"ليس لدي أي دخل هنا وقد أنفقت الآن تقريباً كل المدخرات التي جلبتها معي. وأعيش أنا وابنتي البالغة من العمر 12 عاماً في غرفة واحدة استأجرناها من امرأة عراقية تملك المنـزل، وندفع 5000 ليرة سورية (100 دولار أمريكي) شهراً كبدل إيجار لهذه الغرفة. وأنا لا أعمل ولا أحد يساعدنا".
وحكى آخرون حكايات مشابهة
وعندما يعبر العراقيون الحدود تختم جوازاتهم بعبارة ممنوع العمل. بيد أن العديد من العراقيين يزاولون عملاً مأجوراً بصورة غير قانونية وباتوا قوة عاملة رخيصة بالنسبة لأصحاب العمل المحليين. والسلطات السورية تدرك ذلك وتتساهل إزاءه. كذلك استفادت من وجود أصحاب المهن مثل الأطباء والمدرسين والمهندسين في صفوف اللاجئين العراقية بإصدار أذون عمل لهم والسماح لهم بالعمل في سورية.
لكن المسؤولين السوريين أعربوا عن قلقهم من تورط عدد متزايد من اللاجئين العراقيين في تجارة الجنس كبائعات هوى أو عاملات في النوادي الجنسية. وقيل لمنظمة العفو الدولية إن بعض الفتيات والنساء العراقيات أُرغمتهن عائلاتهن على العمل في الدعارة لكسب المال الذي يمكنها من سد احتياجاتها اليومية، وهناك قلق من تنامي دعارة الأطفال العراقيين والاتجار بهم. وقد أقرت الحكومة السورية بخطورة هذه القضية وتعكف على صياغة تشريع جديد رداً على ذلك بمساعدة المنظمة الدولية للهجرة.
تحصيل العلم
وفقاً لمسؤولي المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والحكومة السورية، ليست هناك قيود تمنع الأطفال العراقيين من الالتحاق بالمدارس في سورية. وفي يونيو/حزيران 2007 ورد أن هناك حوالي 32,000 طفل عراقي، تتراوح أعمارهم بين ست سنوات و18 سنة يذهبون إلى المدارس الرسمية وحوالي 1000 طفل يذهبون إلى المدارس الخاصة. والمجموع متدنٍ نظراً لوجود نحو 1,4 مليون لاجئ عراقي في سورية ولنسبة هؤلاء الذين يحتمل أن يكونوا أطفالاً في سن الذهاب إلى المدرسة.22ومن أصل الـ 33,000، هناك حوالي 30,000 طفل في التعليم الابتدائي تتراوح أعمارهم عادة بين ستة أعوام و15 عاماً، والبقية الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً يلتحقون بالتعليم الثانوي. ويذهب ثلثا الـ 33,000 طفل إلى مدارس في دمشق الكبرى. وهناك 5,3 مليون طفل يذهبون إلى المدرسة في سورية على مستوى القطر.
وبرغم أن نسبة صغيرة نسبياً من أطفال اللاجئين العراقيين كانت تلتحق بالمدارس السورية في وقت الزيارة التي قامت بها منظمة العفو الدولية، إلا أنها أُبلغت بأن العديد من المدارس يعاني أصلاً من الاكتظاظ بحيث يصل عدد تلامذة الفصل الواحد إلى 50. بيد أنه من المتوقع حدوث زيادة ملموسة في التحاق الأطفال العراقيين بالمدارس عندما بدأت السنة الدراسية الجديدة بعد عطلة الصيف. وقد باشرت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بإنشاء ست مدارس في دمشق يتوقع إنجاز العمل فيها بين 360 و500 يوم.23وأبلغ المسؤولون السوريون منظمة العفو الدولية أن هناك حاجة إلى 91 مدرسة جديدة للاستيعاب المريح للأطفال العراقيين البالغ عددهم 33,000 والذين يتلقون العلم أصلاً.
الحصول على الرعاية الصحية
حتى نهاية العام 2005 كان جميع المواطنين العراقيين الذين يعيشون في سورية، ومن ضمنهم اللاجئون وطالبو اللجوء، يحصلون على رعاية صحية مجانية في المستشفيات الحكومية. بيد أن السلطات السورية فرضت عندها عدداً من القيود بسبب ارتفاع التكاليف. وأكد المسؤولون السوريون لمنظمة العفو الدولية أن اللاجئين العراقيين يستطيعون الحصول على رعاية صحية مجانية في المستشفيات الحكومية في الحالات الطارئة، لكن ينبغي عليهم الدفع إذا احتاجوا إلى علاج لبعض الأمراض الخطيرة مثل السرطان أو أمراض القلب، بسبب ارتفاع التكاليف.
وعملياً، يعتمد العديد من العراقيين على العيادات والمستشفيات الخاصة التي تقدم لها الجمعيات الخيرية معظم التمويل وتديرها، برغم أن المستشفيات الحكومية تواصل استقبال مرضى الطوارئ الذين يتلقون علاجاً مجانياً. وإضافة إلى ذلك، ونتيجة لاتفاق أُبرم بين المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووزارة الصحة السورية، فإن العراقيين المسجلين لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والذين يعانون من أمراض خطيرة يستطيعون تلقي العلاج، بما فيه العمليات الجراحية، في العيادات التي تديرها جمعية الهلال الأحمر العربي السوري. وفي هذه الحالات، تسدد المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نسبة 80 بالمائة من تكاليف العلاج وينبغي على المريض أن يدفع الباقي.
ومن الثغرات الخطيرة عدم توفير أي علاج نفسي أو غيره من أنواع المعالجة للاجئين العراقيين الذين تعرضوا مباشرة لانتهاكات حقوق الإنسان. وقد التقت منظمة العفو الدولية عدداً من اللاجئين العراقيين الذين يظلون كما يبدو يعانون من صدمة التجارب التي مروا بها، بمن فيهم رجال ونساء تعرضوا للاغتصاب وغيره من أنواع التعذيب. وفي 19 يوليو/تموز 2007 صرحت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه خلال الأشهر الستة الماضية، تم تسجيل أكثر من شخص واحد من أصل خمسة لاجئين أجرت الوكالة مقابلات معهم في سورية كضحية للتعذيب، وكان واحد من ستة أشخاص يعاني من مشكلة صحية خطيرة.24
شرطي من بغداد
س س شاب مسيحي عمره 20 عاماً من بغداد كان يعمل لدى وحدة خاصة في الشرطة تتولى حراسة مباني الأقليات الدينية وأوقافها. وفي النصف الثاني من العام 2006 تلقى تهديدات هاتفية وعبر الرسائل تأمره بترك وظيفته واعتناق الإسلام. وفي بعد ظهر أحد أيام شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2006، كان س س في دكان والده الكائن بالقرب من إحدى الكنائس في حي الجديدة ببغداد عندما أشعل رجال مسلحون النار في الدكان وخطفوا س س. وأدخلوه عنوة في سيارة واقتادوه إلى جهة مجهولة حيث كان يوجد حوالي 20 رجلاً مخطوفاً آخر.
وفي اليوم التالي من اختطافه، تعرض س س للاغتصاب. وعندما التقى مندوبو منظمة العفو الدولية بـ س س بعد مرور حوالي ستة أشهر على الحادثة، لم يتمكن من التحدث وأجهش بالبكاء. وزودت عائلته منظمة العفو الدولية بوصف خطي ورد فيه أنه تم تمزيق ملابس س س وقُيِّد بشجرة واغتُصب. وبعد مضي أسبوع تقريباً أُفرج عن س س بعد دفع فدية.
وعقب مضي أسبوع على الحادثة، هربت العائلة إلى سورية. ويظل س س يعاني من الكوابيس ويحتاج إلى علاج نفسي. وذكرت عائلته أنه في عدة مناسبات عندما يتذكر الحادثة كان يقول إنه يريد الانتحار.
مقابلة أجرتها منظمة العفو الدولية في يونيو/حزيران 2007 في سورية.
2.1.1 الأوضاع في الأردن
يتراوح العدد التقديري للاجئين العراقيين في الأردن بين 500 و750 ألفاً،25برغم عدد توافر إحصائيات رسمية علنية، وهناك التباس حول الأرقام. فقد أنجز معهد الدراسات الدولية التطبيقية الذي يقع مقره في النرويج مؤخراً دراسة للاجئين العراقيين كلفته الحكومة الأردنية بإجرائها، لكن نتائجها لم تنشر بعد على الملأ.
مديرة محطة إذاعية من الجنوب
عملت د د وهي امرأة مسلمة شيعية من جنوب العراق مديرة لمحطة إذاعية قدمت مساحة للتعبير عن مختلف آراء العراقيين. وبرغم أن د د وزملاءها تلقوا تهديدات بالقتل واستُُهدفوا من جانب المتمردين بسبب هذه المقاربة للبث، إلا أنهم استمروا في عملهم.
وفي مطلع العام 2006، غادرت د د العراق في رحلة عمل. وأثناء وجودها في الخارج نُهي إليها أن رجالاً مسلحين أخذوا ابن عمها من منـزله وعذبوه وقتلوه. وعُثر على جثته على قارعة الطريق مكتوباً عليها كلمة "خائن". فلم تعد د د إلى العراق لأنه قيل لها إن الرجال المسلحين ذهبوا إلى منـزلها في اليوم ذاته بحثاً عنها.
والتقى مندوبو منظمة العفو الدولية د د في الأردن حيث سُجِّلت لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتريد العودة إلى دارها في العراق لأنها اشتاقت لعائلتها وبلادها، لكنها تقبل الآن بأنها قد لا تتمكن من القيام بذلك مدة طويلة لأن الجماعات المسلحة تواصل السؤال عنها. وتأمل د د أن تستقر يوماً ما في بلد يمكنها العيش فيه بأمان والعمل بصورة قانونية.
مقابلة أجرتها معها منظمة العفو الدولية في سبتمبر/أيلول 2007 في الأردن.
وفي عهد صدام حسين، لجأ آلاف العراقيين إلى الأردن لأسباب سياسية أو بسبب المصاعب الاقتصادية التي تسببت بها العقوبات الدولية التي فُرضت على العراق. واليوم، تقيم أغلبية اللاجئين العراقيين في عمان ومحيطها – ويعيش كثيرون في الأجزاء الشرقية من المدينة حيث بدلات الإيجار أرخص.
وأخبر إمام وخطيب من بغداد، اعتقلته القوات الأمريكية وعذبته في العام 2003، ثم القوات العراقية في العام 2005، وكان في كل مرة يُخلى سبيله بدون تهمة، منظمة العفو الدولية عن الوضع ومخاوف اللاجئين العراقيين في الأردن :
"هذا بلد آمن. لكننا لا نتمتع فيه بوضع قانوني. لقد انتهى مفعول أذون إقامتنا؛ وأنفقنا (مدخراتنا). وإذا اضطرنا للمغادرة، فهذا يعني أن آلافاً سيضطرون للمغادرة ويرسلون إلى الحدود. وستتحين الحكومة العراقية والميليشيات الفرص لقتلهم ... وما نطلبه هو (إذن) إقامة يمنع ترحيلنا ودعم مالي لتغطية نفقات معيشتنا."26
الدخول والوضع القانوني
أبلغ مسؤول حكومي رفيع مندوبي منظمة العفو الدولية خلال زيارتهم إلى عمان في سبتمبر/أيلول 2007 أن بدء العمل بقيود جديدة على التأشيرات، تقتضي استصدارها قبل الوصول إلى الحدود، بات وشيكاً. وتهدف هذه التدابير إلى توضيح الوضع بالنسبة للعديد من العراقيين الذين يرغبون في مغادرة العراق ويبيعون ممتلكاتهم حالياً لتسهيل سفرهم أو تحمل مخاطر حقيقية في الوصول إلى الحدود، لكي يُعادون بموجب المقاربة الراهنة للدخول عند الحدود التي يتبعها المسؤولون الأردنيون. ففي الوقت الحاضر، لا يُسمح بالدخول إلا للأشخاص الذين لديهم إقامة في الأردن أو لبعض فئات الأشخاص مثل أولئك الذين يحتاجون إلى علاج طبي موثق من المستشفى وأولئك الذين توجَّه إليهم دعوات لحضور الندوات أو المؤتمرات. وقال المسؤولون الحكوميون لمندوبي منظمة العفو الدولية إن الشروط المزمعة الخاصة بالتأشيرات قد تسمح بتقديم طلبات على الإنترنت – من جانب العراقيين الذين لديهم أجهزة حاسوب – بسبب عدم وجود سفارة أردنية في بغداد.
ووضع معظم العراقيين غير نظامي في الأردن. وقيل لمنظمة العفو الدولية إن قوات الشرطة والأمن الأردنية ألقت القبض على العديد من العراقيين لأنهم بقوا في البلاد إلى ما بعد انتهاء تأشيراتهم أو أحياناً بسبب عملهم بصورة غير قانونية. ويُزعم أن الذين يُلقى القبض عليهم، غالباً ما يُعادون قسراً، وفي معظم الحالات يعادون إلى العراق عن طريق البر، وهي الطريقة الأكثر خطورة للسفر وتُعرِّضهم للخطر.
وزعم بعض العراقيين الذين أجرى مندوبو منظمة العفو الدولية مقابلات معهم في مارس/آذار 2007 في الأردن أن عدداً من العراقيين أُعيدوا قسراً من الأردن إلى العراق، معظمهم أشخاص ليسوا مسجلين لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي حالة واحدة، قيل إن مجموعة تضم ستة أو سبعة شيعة عراقيين من السماوة أُعيدوا قسراً عبر الحدود العراقية – الأردنية (معبر تريبيل الحدودي) في ديسمبر/كانون الأول 2006. وفي العراق أرغم المتمردون سيارتهم على التوقف كما ورد بالقرب من الرمادي، وقطعوا رؤوسهم جميعاً باستثناء أحد الركاب. ويبدو أنه تم تصوير عملية قطع الرؤوس على شريط فيديو. والراكب الوحيد الذي لم يتعرض للأذى، كذب على المهاجمين كما يبدو وأقنعهم أنه من الأعظمية، وهو حي سني في بغداد.
وفي مارس/آذار 2007، قال عراقيون وصلوا حديثاً إلى الأردن عن طريق مطار عمان لمنظمة العفو الدولية إن معظم الركاب العراقيين الذين سافروا على متن الرحلات ذاتها من بغداد أعادهم المسؤولون الأردنيون إلى العراق، برغم أنهم كانوا يحملون وثائق صحيحة كما يبدو. ولم تتمكن منظمة العفو الدولية من الحصول على أسماء الأشخاص المعنيين أو بياناتهم الأخرى، ولا التحقق من ما حصل لهم عند عودتهم إلى العراق، لكن المنظمة تخشى من أن يكون بعض هؤلاء العراقيين سعوا إلى مغادرة العراق بسبب مخاوف حقيقية على سلامتهم. فإذا كان الأمر كذلك، فإن إعادتهم القسرية ربما عرضتهم جداً لخطر انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي الجماعات المسلحة أو سواها، وقد تشكل إخلالاً خطيراً من جانب الأردن بالواجبات الدولية المترتبة عليه حيال حقوق الإنسان، لاسيما مبدأ عدم الإعادة القسرية.
وفي العام 1998، وقع الأردن والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على مذكرة تفاهم تجيز للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تسيير طلبات اللجوء. وبحسب المذكرة، ينبغي على المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين توطين الذين يُعترف بهم كلاجئين خلال ستة أشهر من الاعتراف بهم. بيد أنه عملياً، ما فتئ بعض اللاجئين المعترف بهم والذين فروا من العراق خلال الفترة التي كان فيها تحت حكم صدام حسين ينتظرون توطينهم منذ سبع أو ثماني سنوات. وقال المسؤولون الأردنيون لمنظمة العفو الدولية إنه منذ مطلع سبتمبر/أيلول 2007، تم تسجيل حوالي 45,000 عراقي لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولدى وكالة اللاجئين هدف يبلغ 55,000 – 60,000 شخص مسجل بحلول نهاية العام 2007. وأُحيلت حالات 5053 شخصاً إلى تسع دول لتوطينهم، بمن فيهم 3531 إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ميكانيكي من بغداد
حتى الغزو الأمريكي، كان إ إ يعمل ميكانيكي سيارات في القصر الرئاسي. وفي مطلع العام 2004 اعتُقل عند منـزله بشرق بغداد واحتُجز لمدة ثلاثة أشهر رهن الاعتقال الأمريكي والعراقي.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2006، فر إ إ مع عائلته إلى الأردن. بيد أن أبناءه الكبار – الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و34 عاماً – أُعيدوا عند الحدود الأردنية. وعندما التقت منظمة العفو الدولية بـ إ إ مع زوجته وابنه الأصغر في مارس/آذار 2007 في عمان، كانوا قد استنفدوا مواردهم المالية ويخططون للسفر إلى سورية للعيش مع ابن آخر لجأ إلى هناك. لكن إ إ أُعيد عند الحدود السورية لأنه لم يتمكن من دفع غرامة البقاء في الأردن بصورة غير قانونية. وفي يونيو/حزيران 2007، التقى مندوبو منظمة العفو الدولية بابن إ إ وعائلته في سورية وقيل لهم إنه إ إ عاد إلى العراق، لكن أخبار الأب انقطعت عن الابن منذ عدة أسابيع.
مقابلة أجرتها منظمة العفو الدولية في مارس/آذار 2007 في الأردن.
الحصول على المأكل والمسكن والعمل
يبدو أن معظم اللاجئين العراقيين في الأردن يحاولون تسديد نفقات معيشتهم اليومية – بما في ذلك الطعام والسكن-باستخدام مدخراتهم أو الاعتماد على الدعم المالي من أصدقائهم أو أقربائهم. وقد يعمل بعضهم بصورة غير قانونية، لكن أولئك الذين يُفتضح أمرهم يتعرضون لخطر الاعتقال وربما الترحيل. ولا يتوافر إلا قدر محدود جداً من الدعم لأولئك الذين لا يستطيعون سد احتياجاتهم الضرورية.